القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: حين انهار الحلم في زقاق ضيّق

 

أحلام ممزقة

كان صديقنا مصطفى متوسط القامة ، ملامحه قاسية  لكنه وديع و طيب القلب ، كان دائما رئيسنا في كل لعبة نلعبها في الحي، منذ الطفولة و هو يحب الدفاع عن الآخرين .


 و هذا لا يعني أنه كان متجبرا أو صعلوكا، فبكل بساطة ، كان لا يطيق رؤية مظلوم تحت مخالب قهر ظالم . 


كانت أزقة حينا متقاربة ، كانت تعطي للداخل إليها ، أنها بيت واحد له عدة أبواب و نوافذ كثيرة دائما مفتوحة في وجه الجار و الأهل و السائل .


 أصحابها من الطبقة التي أودعتهم الحضارة  الصناعية البؤس و العوز ، فألقت بعضهم في حضيض فقر مدقع ، بينما القلة الباقية  تتشبث بأهداب الاستغلال و الإقصاء .


كنا نتحلق حوله  و هو  يروي لنا مغامرة مثيرة يشد بها مخيلاتنا بخيوط لا نراها ، حتى ينهكنا  الجلوس و الاستماع ، فنمضي إلى سور عتيق ، نتصايح من سيغمض  ومن سيختبئ . 

كبر صديقنا ، وكبرت طموحاته ،أصبح يتحمس عندما يقرأ للسياسيين الكبار .    

                     

كان يجد نفسه في مقهى الحي ــ مقهى النور ــ يكلم الكبير  و الصغير ،  يناقش و يحلل و يبدي النصائح . 


وكثيرا ما كان يعدنا بمستقبل زاهر حين تسنح له الفرصة ، حين يصادف سياسيين مشهورين فهم و لا شك سينعمون عليه بمركز مرموق.. عندها .. ستصلح الطريق بالزفت الرفيع ..و تجيء المشاريع .. و تحل مشاكل البطالة .

 

و تتكرر الوعود ، و نحن مزهوون بدفء المجد القريب .

كان يحكي عن آماله ، فيجعل منها قصة يحكيها مرة كل يوم . وحيد أمه خديجة أرملة السي ادريس ، التي  بدأت تلح عليه في اختيار  إحدى بنات الحي عروسة تلائمه ، حتى يدع كلام الأحلام ، و كي  لا تزيغ عينه و يسقط في الرذيلة ، إلا أن صديقنا لم يكن  ممن تسقطهم الغمزات أو الشعر الأصفر و العيون الخضراء ، ولا حتى الضحكات التي تدغدغ نبضات الفؤاد .


و شاءت الأقدار أن يسافر مصطفى إلى خارج الوطن ليتلقى تكوينا في إطار عمله ، فاستبشر خيرا .


بعد مدة طويلة يعود صديقنا ، أصبح حديثه إعجاب و تقدير لساسة القوم هناك ، نسي وعوده و أحلامه .


 أصبح كثير التردد إلى المرحاض عندما نلتقي في المقهى ، في كل مرة يعود فيها تجحظ عيناه و يحمر أنفه بشكل لافت .. سألناه مرة : هل تشكو شيئا يا مصطفى؟ فيجيبنا : لا ..! لا..! صداع طفيف في رأسي فقط .


علمنا بعد مدة من نادل المقهى أنه كان يطلب منه ورقة كلما أراد دورة المياه بشكل متكرر، فيغلق الباب ولا يبرحه إلا بعد مدة . ترى هل أصبح صديقنا مدمن مخدرات عن طريق الشم؟ أيعقل هذا؟ 


بالصدفة في إحدى لقاءاتنا في المقهى ، فوجئنا بوجهه و قد احمر  كمن أكل عشرة قرون من الفلفل الحار أو أكثر. أخرست الصدمة ألسنتنا ..

لقد كانت دموع عينيه تلتقي بمخاط أنفه فيسيل على وجهه إلى ذقنه ، و شفتاه منتفختان على غير عادتهما، لكنه ،و ما إن أحس بنا حتى بادرنا قائلا و هو يحاول أن يجد لصوته نبرة الحزم و الجد  :

أصبت ليلة البارحة بالبرد ، فقمت أجرب التبغ (الطابة).. ثم انتبه لضعف حجته في ملامح وجوهنا ، فجأة أجهش في البكاء كطفل صغير.


و منذ ذلك اليوم اختفى صديقنا  دون أن نعرف عنه شيئا ، حتى بدأت الألسن في اختلاق الأقوال ، فمنهم من ظن أنه اعتقل من طرف الشرطة ، ومنهم من اعتقد أنه هاجر  إلى الخارج مرة ثانية، فالبنات هناك تسحر العقول و تأسر القلوب .


جاء خبر عودته كالصاعقة  ، أجل لقد عاد صديق الجميع  ، أجل لقد عاد مصطفى ، صديق الكل .


 كان  قد عاد إلى الخارج ، ليس على حساب عمله ، السبب هذه المرة ــ على حد قوله ــ  أنه أعجبته أجواؤها.


كل شيء فيه تغير .. أصبحت له شريحة أخرى من الأصدقاء ... أولئك الذين  ينزوون  و يعشقون الظلام .. حاولنا معه كثيرا ، لكن عبثا.. علمنا ذات يوم ، أنه طريح الفراش، أسرعنا به إلى طبيب مختص ..حالته خطيرة .. حظوظه ضعيفة .. لكن الأمل موجود .


بعد معاناة طويلة تعافى صديقنا من مرضه، استبشر الجميع خيرا ، كان الكل يتوجه إلى بيت  خديجة ، الأم الطيبة تستقبل و ترحب ، و مصطفى غير موجود .


كانت الساعة الثامنة  مساء ، حين عاد مصطفى ، وقف وسط الحي و بدأ يخلع ثيابه ، قطعة.. قطعة .. و هو  يتحدث عن أحلامه .. عن حلمه و هو يحل مشاكل حيه .. و هو يخلع ثيابه ، حتى لم يعد ما يخلعه .


عندها شرع في الغناء ..       

 و الناس في حيرة من أمرهم .. و في نوع من الشفقة عليه ، نزل أحد الجيران ،ثم غطاه بملاءة و أدخلوه البيت .


عودته سببت  آلاما و مشاكل لعائلته و حيه و أصدقائه و لكل من يعرفه ،

 أصبح هذا  ذكرى أليمة لا تنسى أبدا .


ذكرى تلتصق بحينا كالتصاق القراد بإبط الشاة العرجاء .

حي مصطفى السياسي ..

حي مصطفى الذي ...   


 حميد الع.

                          

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. لقد اعجبتني شخصية مصطفى و انه لا يتاثر بغمزات البنات و الشعر الاشقر و العيون الخضر و تحية جمة للمنتج هذا العمل

    ردحذف

إرسال تعليق