كان صديقنا مصطفى متوسط القامة ، ملامحه قاسية لكنه وديع و طيب القلب ، كان دائما رئيسنا في كل لعبة نلعبها في الحي، منذ الطفولة و هو يحب الدفاع عن الآخرين .
و هذا لا يعني أنه كان متجبرا أو صعلوكا، فبكل بساطة ، كان لا يطيق رؤية مظلوم تحت مخالب قهر ظالم .
كانت أزقة حينا متقاربة ، كانت تعطي للداخل إليها ، أنها بيت واحد له عدة أبواب و نوافذ كثيرة دائما مفتوحة في وجه الجار و الأهل و السائل .
أصحابها من الطبقة التي أودعتهم الحضارة الصناعية البؤس و
العوز ، فألقت بعضهم في حضيض فقر مدقع ، بينما القلة الباقية تتشبث بأهداب الاستغلال و الإقصاء .
كنا نتحلق حوله و هو يروي لنا مغامرة مثيرة يشد بها مخيلاتنا بخيوط لا نراها ، حتى ينهكنا الجلوس و الاستماع ، فنمضي إلى سور عتيق ، نتصايح من سيغمض ومن سيختبئ .
كبر صديقنا ، وكبرت طموحاته ،أصبح يتحمس عندما يقرأ للسياسيين الكبار .
كان يجد نفسه في مقهى الحي ــ مقهى النور ــ يكلم الكبير و الصغير ، يناقش و يحلل و يبدي النصائح .
وكثيرا ما كان يعدنا بمستقبل زاهر حين تسنح له الفرصة ، حين يصادف سياسيين مشهورين فهم و لا شك سينعمون عليه بمركز مرموق.. عندها .. ستصلح الطريق بالزفت الرفيع ..و تجيء المشاريع .. و تحل مشاكل البطالة .
و تتكرر الوعود ، و نحن مزهوون بدفء المجد
القريب .
كان يحكي عن آماله ، فيجعل
منها قصة يحكيها مرة كل يوم . وحيد أمه خديجة أرملة السي ادريس ، التي بدأت تلح عليه في اختيار إحدى بنات الحي عروسة تلائمه ، حتى يدع كلام
الأحلام ، و كي لا تزيغ عينه و يسقط في
الرذيلة ، إلا أن صديقنا لم يكن ممن تسقطهم
الغمزات أو الشعر الأصفر و العيون الخضراء ، ولا حتى الضحكات التي تدغدغ نبضات
الفؤاد .
و شاءت الأقدار أن يسافر
مصطفى إلى خارج الوطن ليتلقى تكوينا في إطار عمله ، فاستبشر خيرا .
بعد مدة طويلة يعود صديقنا ، أصبح حديثه إعجاب و تقدير لساسة القوم هناك ، نسي وعوده و أحلامه .
أصبح كثير
التردد إلى المرحاض عندما نلتقي في المقهى ، في كل مرة يعود فيها تجحظ عيناه و
يحمر أنفه بشكل لافت .. سألناه مرة : هل تشكو شيئا يا مصطفى؟ فيجيبنا : لا ..!
لا..! صداع طفيف في رأسي فقط .
علمنا بعد مدة من نادل المقهى أنه كان يطلب منه ورقة كلما أراد دورة المياه بشكل متكرر، فيغلق الباب ولا يبرحه إلا بعد مدة . ترى هل أصبح صديقنا مدمن مخدرات عن طريق الشم؟ أيعقل هذا؟
بالصدفة في إحدى لقاءاتنا في المقهى ، فوجئنا بوجهه و قد احمر كمن أكل عشرة قرون من الفلفل الحار أو أكثر. أخرست الصدمة ألسنتنا ..
لقد كانت دموع عينيه تلتقي
بمخاط أنفه فيسيل على وجهه إلى ذقنه ، و شفتاه منتفختان على غير عادتهما، لكنه ،و
ما إن أحس بنا حتى بادرنا قائلا و هو يحاول أن يجد لصوته نبرة الحزم و الجد :
أصبت ليلة البارحة بالبرد
، فقمت أجرب التبغ (الطابة).. ثم انتبه لضعف حجته في ملامح وجوهنا ، فجأة أجهش في
البكاء كطفل صغير.
و منذ ذلك اليوم اختفى
صديقنا دون أن نعرف عنه شيئا ، حتى بدأت
الألسن في اختلاق الأقوال ، فمنهم من ظن أنه اعتقل من طرف الشرطة ، ومنهم من اعتقد
أنه هاجر إلى الخارج مرة ثانية، فالبنات
هناك تسحر العقول و تأسر القلوب .
جاء خبر عودته كالصاعقة ، أجل لقد عاد صديق الجميع ، أجل لقد عاد مصطفى ، صديق الكل .
كان قد
عاد إلى الخارج ، ليس على حساب عمله ، السبب هذه المرة ــ على حد قوله ــ أنه أعجبته أجواؤها.
كل شيء فيه تغير .. أصبحت
له شريحة أخرى من الأصدقاء ... أولئك الذين
ينزوون و يعشقون الظلام .. حاولنا معه كثيرا ، لكن عبثا.. علمنا ذات
يوم ، أنه طريح الفراش، أسرعنا به إلى طبيب مختص ..حالته خطيرة .. حظوظه ضعيفة .. لكن
الأمل موجود .
بعد معاناة طويلة تعافى
صديقنا من مرضه، استبشر الجميع خيرا ، كان الكل يتوجه إلى بيت خديجة ، الأم الطيبة تستقبل و ترحب ، و مصطفى
غير موجود .
كانت الساعة الثامنة مساء ، حين عاد مصطفى ، وقف وسط الحي و بدأ يخلع
ثيابه ، قطعة.. قطعة .. و هو يتحدث عن
أحلامه .. عن حلمه و هو يحل مشاكل حيه .. و هو يخلع ثيابه ، حتى لم يعد ما يخلعه .
عندها شرع في الغناء ..
و الناس في حيرة من أمرهم .. و في نوع من الشفقة
عليه ، نزل أحد الجيران ،ثم غطاه بملاءة و أدخلوه البيت .
عودته سببت آلاما و مشاكل لعائلته و حيه و أصدقائه و لكل من
يعرفه ،
أصبح هذا ذكرى أليمة لا تنسى أبدا .
ذكرى تلتصق بحينا كالتصاق
القراد بإبط الشاة العرجاء .
حي مصطفى السياسي ..
حي مصطفى الذي ...
حميد الع.
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفلقد اعجبتني شخصية مصطفى و انه لا يتاثر بغمزات البنات و الشعر الاشقر و العيون الخضر و تحية جمة للمنتج هذا العمل
ردحذفOk
ردحذف