" أشعر و كأني أنظر
إلى نفسي في المرآة منذ الصباح ، التعليم مهنة شاقة .. التعليم مهنة شريفة ..
"
هكذا كان أستاذ الرياضيات
يقول عندما لا يجد تجاوبا من الطرف الآخر ، نحن تلامذته .
دائم الابتسامة، طلق المحيا، محب لعمله، مقتدر
و
يحظى باحترام الجميع، تلامذة و أساتذة ، على عكس
أستاذ العربية ، الذي كان
أكثر ما يسعده أثناء الحصة هو صفع التلاميذ على الرقاب كما على الوجوه، و في كثير
من الأحيان بدون سبب ، لذلك كنا نتحاشى النظر صوبه حرصا على
تجنب أية صفعة طائشة منه .
أما أستاذ الرياضيات فكنا
نعتبره صديقا ، رغم الفرق الكبير بيننا في
العمر ، و رغم ما قيل عن الأصدقاء و الصداقة الكثير ، و منه قول الشاعر : " فما أكثر الأصدقاء حين تعدهم *** و لكنهم في النائبـات قليــل "
أستاذ الرياضيات ، لم يكن
من هؤلاء ، لا يؤذي أحدا ، تتلمذ و تخرج على يده العديد ممن هم الآن في مناصب عليا
..
تلك الأيام الخوالي .. حين كان الأستاذ قدوة
لطلابه في الفصل و خارجه ، نبراسا للمجتمع .
من طرائف الفصل التي
يتذكرها كل من درس عنده ، مشكاله مع الإعراب ، نعم خصوصا مع أواخر الكلمات عند البرهنة
أو الاستنتاج ، فهو غالبا ما كان يعاني من إعراب المثنى و الجمع . يقول :
" (D) و'(D) مستقيمان
متوازيان أم متوازيين ؟ "
فيجيبه بعضنا "
متوازيان ، يا أستاذ " والبعض الآخر " متوازيين ،يا أستاذ " فيصبح في حيرة من أمره ، ثم يكمل قائلا :
" فهمت.. فهمت " نتذكره ، فندعو له بالرحمة و المغفرة .. حصة الرياضيات كانت تمر بسرعة مذهلة ، لا يمكنك أن
تمل منها أبدا .
نتذكره حين الفروض، و هو يناظر
الساعة من حين إلى آخر، يجول بناظريه في حركة سريعة، و إذا ناوله أحدنا ورقة الامتحان، يحملق فيها
مطولا ،و كأنه يقوم بالكشف عن علة، ثم يضعها برفق و كأن الورقة مريض وجب الاعتناء به يريده أن يرتاح من عناء سقمه.
وتأتي لحظة إرجاع الأوراق ، تتسارع دقات القلب ، الأعناق نحو رزمة الأوراق في يد الأستاذ مشرئبة ،
يعم الصمت حجرة الدرس و تجحظ العيون منتظرة بدء إعلان النقط . كل واحد باسمه ، ثم
تأتي النتائج غالبا طيبة في مستوى توقعاتنا ، تغمرنا السعادة ..
فنتوجه
بالشكر الجزيل لأستاذنا الذي لم يبخل عن تعليمنا، و الذي بدوره يهنئنا بكلامه
الحكيم :
" بارك الله فيكم .. أنتم المستقبل ..أنتم
من سيحمل المشعل غدا "
هكذا
كان أستاذ الرياضيات يعلم ويربي ، و يصبح الأمل و القدوة ، و نحن كلما تذكرناه دعونا له بالرحمة و
المغفرة ، علنا نحظى بجيل يجعلنا فخورين أمام العالمين و
أمام الله .
حميد الع.

👏👏👏
ردحذفقصة رائعة و مضحكة
ردحذفأزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفقصة رائعة
ردحذفتحية عالية لأساتذتنا و أستاذاتنا
ردحذفتحية تقدير واحترام لنساء ورجال التعليم
ردحذف