كان " سليم" شابًا طموحًا، لم يؤمن قط بوجود مخلوقات أخرى خارج نطاق البشر. كان يضحك ساخرًا عندما يسمع قصص الجن والأشباح.
في إحدى الليالي، اضطر "سليم"للسفر من المدينة إلى قريته في رحلة برية طويلة عبر طريق صحراوي وحيدا. انطلق بسيارته بعد منتصف الليل، مستمتعًا بالهدوء والصمت الموحش.
بعد مرور ساعتين على الطريق الصحراوي، بدأت الأمور تأخذ منحى غريبا. لاحظ أن الأنوار الأمامية لسيارته بدأت تضعف. فجأة، توقف للتحقق من الأمر، لكنه لم يجد شيئًا غير طبيعي. استأنف رحلته، محاولاً طرد الأفكار المزعجة عن ذهنه.
بينما كان يقود، لمح على جانب الطريق شيئًا يتحرك بسرعة. أبطأ السرعة محاولاً تحديد ماهية الكائن، لكنه لم يستطع. كان ضوء القمر الخافت يزيد من غموض المشهد. فجأة، ظهرت أمامه امرأة ترتدي ثيابًا بيضاء طويلة، واقفة في منتصف الطريق. داس على الفرامل بقوة، متفادياً الاصطدام بها بصعوبة.
توقفت السيارة، ونزل مترددًا ليستطلع الأمر. كان الطريق خالياً، ولا أثر للمرأة. عاد إلى السيارة و قلبه ينبض بشدة. بمجرد أن جلس خلف المقود، سمع صوتا يشبه الهمس يناديه ثم الصمت المطبق.
بعد أن وصل "سليم" إلى المدينة منهكًا وخائفًا، قرر أن يحكي قصته لأحد أصدقائه المقربين، "عماد". كان "عماد" معروفًا بشجاعته و اهتمامه بقصص الرعب و الأساطير. استمع إلى قصة "سليم" بتركيز، واقترح عليه أن يعودا معًا إلى المكان الذي حدثت فيه الواقعة للتحقيق ومعرفة الحقيقة.
تردّد "سليم" في البداية، لكنه وافق في نهاية المطاف. انطلقا معًا في رحلة العودة، مجهزين بكل ما قد يحتاجانه لمواجهة أي موقف غير متوقع. عندما وصلا إلى المحطة المهجورة، كان الجو ملبّدًا بالسحب، والرياح تهب بقوة.
دخلا المحطة بحذر، بالمصابيح اليدوية لتضيء الزوايا المعتمة. بدآ في تفحص المكان بتمعن، حتى وجدا بابًا سريًا خلف أحد الرفوف القديمة. فتحا الباب ليكتشفا ممرًا مظلمًا يقود إلى قبو قديم تحت الأرض.
نزلا السلالم ببطء، وكل خطوة تقربهما من القبو كانت تزيد من شعورهما بالرهبة. عندما وصلا إلى القبو، وجدا غرفة كبيرة مليئة بالرموز الغريبة والشموع المنطفأة. في وسط الغرفة، كانت هناك دائرة مرسومة على الأرض بدماء جافة، وفي داخلها جثة مغطاة برداء أبيض.
فجأة، بدأت الجثة تتحرك. انبعثت منها همسات غامضة، وارتفعت في الهواء، موجهة نظراتها الخاوية نحو سليم و عماد. تحولت الهمسات إلى صرخات مؤلمة، وأُغلقت الأبواب بقوة.
بدأت الظلال تتحرك حولهما، وأصبح الهواء باردًا بشكل مخيف. حاول "عماد" قراءة الرموز على الجدران، لكن قبل أن يتمكن من فهمها، ظهرت لهم رؤى لمخلوقات بشعة تقترب منهما، تحاول اقتحام الدائرة المحمية بالدماء.
أمسك "سليم" بمصباحه محاولاً إبعاد المخلوقات، لكن الأضواء كانت تمر عبرها وكأنها مجرد دخان. تذكر "عماد" تعويذة قديمة سمع عنها من جدته، وبدأ يرددها بصوت عالٍ. بدأت المخلوقات تتراجع ببطء، لكن الجثة المعلقة في الهواء بدأت تصرخ بصوت مرعب، متوسلة النجاة.
مع استمرار "عماد" في التلاوة، بدأت الغرفة تهتز وكأنها على وشك الانهيار. فجأة، انفتح الباب بقوة ساحقة، واندفعت ريح عاصفة نحو الداخل، ساحبة معها المخلوقات والجثة إلى خارج الغرفة.
لكن على غير المتوقع، لم يهدأ كل شيء كما اعتقدا. بدلاً من ذلك، سمعا صوت ضحكة مخيفة تأتي من كل زاوية في القبو، وصوت خطوات ثقيلة تقترب منهما ببطء. تحولت الجدران إلى كتل من الظلام الحي، وأصبحت الأرضية تتحرك كأنها بحر من الظلال.
بدأت الأبواب تُغلق على صوت الصرخات المتزايدة، وشعر "سليم" و"عماد" بأنهما محاصران في كابوس لا مفر منه. فجأة، ارتفع جسد "عماد" في الهواء وبدأت عيناه تتوهجان بضوء أحمر مخيف. التفت نحو "سليم" بصوت غير بشري قائلاً: "لقد أطلقتما اللعنة القديمة، ولن تخرجا من هنا حيين."
تراجع "سليم" محاولاً العثور على مخرج، لكن كل الأبواب والنوافذ اختفت. بدأت الظلال تحيط به من كل جانب، وشعر بيدين باردتين تمسكان به. كانت الأصوات تتزايد في رأسه، صرخات وأصوات غير مفهومة تتداخل مع بعضها البعض.
في اللحظة الأخيرة، عندما فقد "سليم" كل أمل، استيقظ ليجد نفسه في المستشفى. كان "عماد" بجانبه، مصابًا بجروح طفيفة، لكن نظرة الرعب لم تفارقهما. أخبرهما الأطباء أنهم وجدوهما فاقدي الوعي في الصحراء، ولم يكن هناك أي أثر للمحطة المهجورة.
لكن الأهم، أن "سليم" اكتشف بعد خروجه من المستشفى أن الظلال ما زالت تلاحقه. كان يرى انعكاسها في كل مكان، يسمع همساتها في كل لحظة، وعرف أن اللعنة لم تنتهِ. بدأت أحلامه تتحول إلى كوابيس، وأصبح لا يميز بين الواقع والخيال.
مرت أيام قليلة بعد الحادث المرعب اختفى "سليم" بطريقة مفاجئة، أصبحت قصة لعنته مصدر رعب لسكان المدينة. لم يتوقع أحد أن تعود تلك الأحداث لتطاردهما مرة أخرى، لكن الحقيقة كانت أبشع مما تخيلا.
بعد عدة أشهر من اختفائه، بدأ الناس يرون شيئًا غريبًا في الليل على الطرقات الصحراوية. كانت هناك تقارير متكررة عن رؤية شخص غريب يتجول في الظلام، ملامحه مشوهة وبشرته شاحبة. لم يكن سوى "سليم"، لكن لم يعد بشكله البشري المعتاد. كانت بشرته تتحول تدريجيًا إلى لون رمادي شاحب، وعيناه فقدتا بريق الحياة ليحل محلهما ضوء باهت.
بدأت الشائعات تنتشر بسرعة بين الناس. في إحدى الليالي، كان "عماد" يقود سيارته على نفس الطريق الصحراوي، محاولًا تجاهل ذكريات الليلة المرعبة. فجأة، لمح على جانب الطريق شخصًا يتجول ببطء. أبطأ السرعة واقترب بحذر، وتجلت أمامه الحقيقة المروعة: كان "سليم"، لكن ملامحه كانت مشوهة، تشبه تلك المرأة التي رآها في البداية.
توقف "عماد" بعنف، وقلبه ينبض بشدة. نزل من السيارة، محاولًا الاقتراب من صديقه القديم. "سليم"، هل هذا أنت؟" سأل "عماد" بصوت مرتجف.
نظر إليه "سليم" بنظرة فارغة، وبدأت أصوات الهمسات تتزايد حولهما. فجأة، انطلقت صرخة عالية من فم "سليم"، وتجمد "عماد" في مكانه. شعر بشيء غير مرئي يحاول سحبه نحو الظلام.
استجمع شجاعته وركض نحو السيارة، لكن "سليم" تبعه بسرعة غير طبيعية. صعد إلى السيارة وأدار المحرك بأقصى سرعة، مبتعدًا عن المكان.
بعد تلك الليلة، علم "عماد" أن "سليم" لم يعد هو نفسه، بل أصبح جزءًا من اللعنة التي أطلقاها في تلك الليلة المشؤومة. أصبح "سليم" يظهر كل ليلة على الطرقات الصحراوية، يطارد كل من يقترب منها. بشرته الشاحبة وعيناه الفارغتان أصبحتا علامة تحذير لكل من يجرؤ على الاقتراب.
بدأت حوادث الاختفاء تتزايد في المنطقة، وكلما حاول أحدهم المساعدة أو التدخل يصبح من المفقودين .
قرر "عماد" انقاذ صديقه "سليم"، أعد العدة و عزم ألا يعود إلا و معه صديقه القديم "سليم" سالما من اللعنة و غيرها .
وصل إلى المحطة المهجورة وهو يشعر بأن كل خطوة تقربه من مواجهة حتمية لا مفر منها. كانت الظلال تتحرك حوله، وأصوات الهمسات تملأ الهواء بشكل مخيف. دخل المحطة بحذر، وهو يحمل مصباحه اليدوي الذي أضاء المساحات المظلمة أمامه.
عندما وصل إلى القبو، وجد الغرفة كما تركها، لكن الآن كانت الرموز على الجدران تتوهج بضوء خافت ومرعب. وقف وسط الغرفة، وأخذ نفسًا عميقًا، مستعدًا للمواجهة. فجأة، شعر ببرودة شديدة تتسلل إلى جسده، وظهر "سليم" من بين الظلال، بشرته الشاحبة وعيناه الفارغتان تعكسان ضوء المصباح.
"سليم"، أنا هنا لأساعدك. لا أريد أن أؤذيك." قال عماد" بصوت مرتعش.
نظر إليه بصمت، ثم بدأت الظلال تتحرك حولهما بشكل مخيف. "لا يمكنك مساعدتي, لقد أصبحت جزءًا من اللعنة. يجب أن توقف هذا الجنون."
تذكر "عماد" أن تلاوة القرآن الكريم هو الحل، و ما هي إلا لحظات حتى بدأت الأمور تعود إلى حالتها الطبيعية، كان ترتيله للآيات في منتهى الخشوع.
عاشا حياتهما في محاولة لنسيان ما حدث في تلك الليلة المرعبة. لكن الظلال لم تكن لتتركهما بسلام. بدأ "سليم" يلاحظ تغيرات في نفسه، كان يستيقظ في بعض الليالي ويجد نفسه يتجول في الشوارع دون أن يتذكر كيف وصل إلى هناك. كلما مرت الأيام، بدأت ملامحه تتغير ببطء. بشرته أصبحت شاحبة مجددًا وعيناه بدأتا تفقدان بريقهما.
"عماد"، من جهته، كان يشعر بالقلق الشديد على صديقه. حاول مساعدته بزيارة أطباء ومختصين، لكن لم يكن هناك تفسير علمي لحالته. في إحدى الليالي، بينما كان علي يزور "سليم" في منزله، لاحظ أن الغرفة كانت مملوءة بالرموز الغريبة التي رآها في المحطة المهجورة سابقا. كانت مرسومة على الجدران بطريقة غير طبيعية، وكأن شخصًا آخر رسمها.
"سليم"، ما الذي يحدث هنا؟"
نظر إليه بعينين خاويتين وقال بصوت مملوء بالحزن، "إنها ليست مجرد لعنة، لقد أصبحت جزءًا منها. لا يمكنني الهروب."
تلك الليلة، قرر "عماد" أن يتخذ خطوة جريئة لإنقاذ صديقه. عاد إلى المحطة المهجورة، التي كانت قد اختفت في السابق، ليجدها عادت إلى الظهور مجددًا. دخل القبو، وأشعل الشموع المحيطة بالدائرة الدموية، و بدأ يتلو القرآن الكريم، ولكن هذه المرة بقوة وعزيمة أكبر.
فجأة، شعر بالارتعاش، وظهرت مخلوقات الظلام مجددًا محاولين منعه من استكمال التلاوة. ولكنه لم يتوقف، وأكمل التلاوة بصوت عالٍ وقوي. بدأت المخلوقات تختفي واحدة تلو الأخرى، وصراخاتها تتلاشى في الهواء.
في تلك اللحظة، شعر "عماد" بقوة غريبة تملأ جسده، وفي اللحظة الأخيرة، انفجرت دائرة الدماء بضوء ساطع، وتبددت الظلال نهائيًا.
عاد "عماد" إلى "سليم" ليجده قد استعاد ملامحه الطبيعية، وبشرته عادت إلى لونها الطبيعي. "ماذا حدث؟" سأل "سليم" بصوت ضعيف.
"لقد أنهيت اللعنة، لن تطاردك بعد الآن." أجابه مبتسمًا.
منذ ذلك اليوم، عاشا حياتهما بسلام، ولكن لم ينسيا أبدًا تلك الليلة المروعة. أصبحت قصتهما تحذيرًا لكل من يجرؤ على اللعب بالقوى الغامضة أو معها. ورغم انتهاء اللعنة، ظل "سليم" يشعر أحيانًا ببرودة خفيفة عندما تمر الظلال حوله، كتذكير دائم بما حدث وما يمكن أن يحدث إذا لم يتوخَ الحذر.
وفي الليالي المظلمة، كانا يجتمعان ويتذكران تفاصيل تلك الليلة، ويشعران بالامتنان لنجاتهما من ذلك الكابوس المرعب، ويدركان أن العالم مليء بالأسرار التي يجب التعامل معها بحذر واحترام.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق