في عام 2045، حين أصبحت النقود الرقمية هي العصب الرئيسي للاقتصاد العالمي، نشأ نظام مالي يعتمد على "مدة صلاحية" لكل عملة إلكترونية.
لم تعد هناك عملات ورقية أو معدنية، بل كانت النقود مجرد أرقام في الأجهزة، تُستهلك أو تنتهي صلاحيتها بعد فترة زمنية محددة.
بالنسبة لجيل الشباب، هذا النظام بدا مألوفًا وسهلًا. بطاقاتهم الذكية تتجدد كل شهر، والنفقات محسوبة بدقة دون أي تفكير عميق. أما بالنسبة للجيل المسن، فكان الوضع مأساويًا.
في مقهى صغير على أطراف المدينة، اجتمع عدد من الأصدقاء الشباب، يتبادلون أطراف الحديث حول خططهم للسفر والإنفاق. كانوا يتحدثون عن "المهلة الزمنية" التي تحدد فترة صلاحية نقودهم وكيف يستخدمونها بذكاء قبل أن تنتهي. أحدهم قال مبتسمًا: "المهلة تنتهي الأسبوع المقبل، سأشتري أحدث تقنية طائرة ذاتية القيادة، ثم أستمتع بالأيام المتبقية على حسابي الجديد."
لكن على الطاولة المجاورة، جلس رجل مسن يُدعى "الحاج إبراهيم" برفقة أصدقائه الذين تقطعت بهم السبل في هذا النظام الجديد. همس أحدهم قائلًا: "الأموال التي كنت أدخرها طوال حياتي انتهت صلاحيتها، لم أتمكن حتى من شراء الدواء." تنهد الحاج إبراهيم وأردف: "نحن كنا ندخر لمستقبلنا، ولم نفهم أن المستقبل قد يصبح وهميًا."
كان الفرق شاسعًا بين الجيلين. بالنسبة للشباب، الزمن كان يتسارع، والنقود هي وسيلة للحصول على متع سريعة وعابرة. أما بالنسبة للمسنين، فقد كانت النقود تحمل قيمة أعمق، تمثل تعب السنين والجهد الذي بذلوه، لكنها ذابت كالماء بين أصابعهم في هذا العالم الافتراضي.
حاول الشباب فهم معاناة الكبار، لكن الهوة بين الأجيال كانت واسعة. أحد الشبان، "باسل"، نظر إلى الحاج إبراهيم وسأله بفضول: "لماذا لا تستخدم النقود قبل انتهاء صلاحيتها؟ بإمكانك الاستمتاع الآن بدلًا من القلق عليها." أجاب الحاج إبراهيم بنبرة هادئة مليئة بالحكمة: "النقود ليست مجرد وسيلة للاستمتاع، يا بني. هي انعكاس لوقتنا، ولما قدمناه في حياتنا. حين تُجبر على إنفاقها بسرعة، يُضيع عليك فرصة التفكير بما هو أهم."
مع مرور الوقت، بدأ الشباب يدركون أن النظام الجديد رغم سهولته يحمل مخاطر غير مرئية. الزمن أصبح يسير بوتيرة متسارعة، والأموال لم تعد تُقدّر كما كانت. بين لحظة وأخرى، تنتهي النقود وتصبح بلا قيمة، كما لو أن حياة كاملة تُختزل في لحظة زوال.
في النهاية، أدرك الجميع أن الحياة الحقيقية ليست في إنفاق النقود بسرعة قبل أن تنتهي، بل في إعطائها معنى، واستخدامها بحكمة لصناعة ذكريات تدوم طويلاً. لقد كانت تلك التجربة درسًا للشباب والمسنين على حد سواء، بأن قيمة الوقت لا تُقاس فقط بما نملكه بل بما نصنعه به.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق