القائمة الرئيسية

الصفحات

 

 

جلس الجد على سجادة قديمة في زاوية الغرفة، يحيط به أحفاده وقد التصقوا به كأنهم يخشون أن يضيع منهم. تسللت أشعة الشمس من النافذة، تتراقص فوق وجهه المليء بالتجاعيد وكأنها تستدعي من ذاكرته صورًا قديمة. قال بصوت هادئ:

 

"أتعلمون متى صمتُ رمضان أول مرة؟ كنتُ في السابعة من عمري. كانت والدتي دائمًا تقول لي: الصيام ليس للأطفال، لكنني أصررتُ أنني صرتُ كبيرًا بما يكفي. استيقظتُ مع والدي على السحور، أكلتُ نصف رغيف من الخبز مع قليل من التمر، وشربتُ كأسًا كبيرة من الماء حتى شعرت أنني سأغرق من الداخل!"

 

ضحك الأحفاد، فقال الجد مبتسمًا:

"مع أذان الفجر شعرتُ أنني فارس في معركة، دخلتُ المسجد مع والدي وصليتُ بجواره. بعد الصلاة، عدنا إلى البيت، وبدأتُ أشعر بالعطش منذ اللحظة الأولى! لكنني تظاهرتُ بالقوة."

 

توقف قليلًا، ثم قال بصوت ماكر:

"عند الظهيرة، كان الحر شديدًا، ورائحة الطبخ تتسلل من المطبخ. جلستُ في زاوية الغرفة أراقب أمي وهي تقطع البطيخ. اقتربتُ منها وقلتُ بصوت خافت: أمي، هل يمكنني فقط أن أتذوق قليلاً لأتأكد أن البطيخ حلو؟"

 

انفجر الأحفاد ضاحكين، فقال الجد:

"لكن أمي ضحكت وقالت: إذا تذوقت، فعليك أن تكمل يومك بدون إفطار! انسحبتُ خائبًا، لكنني كنتُ مصممًا على الصمود."

 

أخذ نفسًا عميقًا وقال:

"قبل أذان المغرب بدقائق، كنتُ قد وصلتُ إلى قمة الإعياء. جلستُ أمام المائدة أنتظر الأذان، وعندما سمعتُ 'الله أكبر'، أمسكتُ بكوب الماء وشربتُ حتى كدتُ أختنق! ثم أكلتُ التمر وكأنني لم أذق طعامًا من قبل."

 

ضحك الجد طويلًا ثم قال:

"أتدرون ماذا حدث بعدها؟ نمتُ بعد الإفطار مباشرة، استيقظتُ على السحور وكأنني خرجتُ من معركة عظيمة. ومنذ ذلك اليوم، لم أترك صيام رمضان أبدًا."

 

سكت الجد ومسح على رؤوس أحفاده، ثم قال:

"تلك التجربة علّمتني أن الإرادة تولد من المعاناة، وأن الفرحة الحقيقية لا تأتي إلا بعد صبرٍ طويل."

 

نظر إليه الأحفاد بعيون لامعة، وكأنهم يعاهدونه أن يسيروا على خطاه.

 

حميد الع.

تعليقات