القائمة الرئيسية

الصفحات

جربة قصصية: حين صار الجوع اسماً خامساً

 

جربة قصصية: حين صار الجوع اسماً خامساً


في زمن المجاعة والحرب، لا يأتي الجوع فجأة.
يتسلل ببطء، مثل صدأٍ يأكل الروح قبل الجسد.


كانت أمينة، أمًّا أرملة، تستيقظ كل صباح وهي تخشى أن تجد واحدًا من أبنائها الأربعة قد سبقها إلى الموت. لم تكن تعدّهم بدافع الحب، بل بدافع الخوف؛ خوفٍ صار عادة يومية.


الحرب أخذت زوجها في عامها الأول، ليس بقذيفة، بل بطابور انتظار طويل أمام مخزن دقيق لم يصل إليه الدور. منذ ذلك اليوم، صارت أمينة تحمل لقب الأرملة كما يحمل الجندي بندقيته: ثقيلًا ومفروضًا.


الجفاف قتل الأرض، والمجاعة قتلت الناس، والحرب قتلت ما تبقى من إنسانية.
لم يعد في البيت سوى قدرٍ فارغ، وقطع خبز يابسة، وأطفال لا يفهمون لماذا صارت أمهم تصمت أكثر مما تتكلم.


في الأسبوع الأول، مات أصغرهم.
لم يمت صراخًا، بل اختفاءً بطيئًا.
نام في حضنها، ولم يستيقظ.


في الأسبوع الثاني، مات الذي يليه، بعدما قسّم كسرة خبزه مع أخيه.
وفي الأسبوع الثالث، توقفت أمينة عن البكاء؛ لأن الدموع لا تُطعم الجياع.

كل يوم كانت تبكي طفلًا، وكل ليلة كانت تسمع الحرب تضحك في الخارج.


حين لم يبقَ لها سوى طفلين، أدركت أن البقاء في المكان لم يعد صبرًا، بل انتحارًا بطيئًا.
قررت الهجرة، بحثًا عن عيش كريم، وهربًا من الفقر وويلات الحرب.


خرجت من القرية التي تحولت إلى مقبرة مفتوحة، تمشي بين بيوت بلا أبواب، وأشجار تشبه العظام.
كانت تحمل طفلها على ذراع، وتشد الآخر بيدٍ مرتعشة، تسير بلا خريطة، بلا وجهة، إلا بعيدًا عن الموت.


لكن الطريق كان أكثر قسوة من القرية.

في أول مخيم، طُردت لأنها لا تملك أوراقًا.
في الثاني، نامت بلا غطاء.
في الثالث، مات أحد طفليها من البرد، لا من الجوع.


جلست قرب جسده حتى الصباح، لا تصرخ، لا تتحرك.
كأن الحزن تجاوز مرحلة الألم، ودخل مرحلة الفراغ.

لم يبقَ لها إلا طفل واحد.


وصلت إلى مدينة كبيرة، حيث لا تُسمع القنابل، لكن الفقر يتكلم بصوت أعلى.
ظنت أن الحرب انتهت، لكنها اكتشفت أن المدن تخوض حربًا مختلفة: حرب التجاهل.


عملت في تنظيف البيوت مقابل بقايا طعام، ونامت مع طفلها في زاوية شارع.
كانت تحرسه من الجوع، ومن الناس، ومن الليل.


في إحدى الليالي، اشتد المطر.
ضمّت طفلها إلى صدرها، وغفَت للحظة… لحظة واحدة فقط.

حين فتحت عينيها، لم يكن هناك.


بحثت عنه بجنون، ركضت بين الأزقة، صرخت باسمه حتى انكسر صوتها.
قالوا لها:
"
الأطفال هنا يضيعون أسرع من الخبز".


مع الفجر، جلست أمينة قرب مركز إغاثة، تنتظر معجزة لم تأتِ.
كانت تحدّق في اللافتة الكبيرة فوق الباب، مكتوب عليها:

"مساعدات غذائية للأسر المحتاجة"


حين خرج أحد الموظفين، سألها ببرود:
"
كم عدد أفراد أسرتك؟"

نظرت إليه طويلًا…
ثم قالت بصوتٍ خالٍ من الحياة:

"خمسة."

قال: "لكن… أين هم؟"

ابتسمت لأول مرة منذ سنوات، وأجابت:

"أكلتهم الحرب… وبقي الجوع".


في المساء، وُجدت أمينة ممددة قرب الباب.
في يدها ورقة تسجيل،
وفي خانة عدد الأبناء، كانت قد كتبت:

خمسة.


لم تمت من الجوع.
ولا من البرد.
ولا من الحرب.

ماتت لأن العالم طلب منها رقمًا…
ولم يسألها يومًا عن الألم.


.حميد الع

تعليقات