كان الطفل يسرع خطواته كل صباح، ومحفظته الثقيلة ترتطم بظهره الصغير وهو يشق طريقه نحو المدرسة عبر الشارع الكبير. وعلى جانب الطريق، كان مقهى الأصدقاء يفتح أبوابه باكرًا، فتظهر من داخله وجوه اعتادت الكراسي الخشبية، وأكواب القهوة، وأحاديث لا تنتهي.
كان يرمقهم بنظرة ساخطة ويقول في نفسه:
"لماذا لا يعمل هؤلاء؟ ولماذا لا يجلسون في بيوتهم بدل قتل الوقت هنا؟"
ثم يواصل سيره، مقتنعًا أن النجاح لا يمر أبدًا من باب المقهى.
لم يكن يعلم أن الأيام تُخفي أجوبة لا تمنحها لطفل مستعجل.
كبر الطفل، وصار شابًا جامعيًا يصارع ضيق البيت، وضوضاء الجيران، وانقطاع التركيز كلما فتح كتابًا. كانت أحلامه أكبر من غرفته، وأيامه أضيق من وقته.
وفي أحد الأيام، مرّ كعادته من أمام المقهى، فشد انتباهه إعلان جديد فوق الباب:
الطابق العلوي... فضاء هادئ للطلبة والباحثين.
تردد قليلًا، ثم صعد السلالم بحذر، كمن يدخل عالمًا كان يرفضه بالأمس.
وجد قاعة مرتبة، طاولات واسعة، إنترنت سريع، صمت مريح، ووجوهًا منحنية فوق الكتب والحواسيب. جلس في زاوية بعيدة، فتح دفاتره، وبدأ يراجع دروسه.
مرت الساعات سريعًا.
لأول مرة منذ شهور، أنهى ما كان يؤجله منذ أسابيع.
عاد في اليوم التالي، ثم الذي بعده، حتى صار المقهى محطة يومية في طريق النجاح. هناك كتب بحوثه، واستعد لامتحاناته، ونجح في مباراة التوظيف التي غيّرت حياته.
ومرت سنوات أخرى.
أصبح شابًا موظفًا محترمًا، يرتدي بدلته صباحًا، ويحمل ملفات العمل بدل الكتب. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
مقهى الأصدقاء.
كان يلتقي فيه أصدقاء الطفولة، ويجتمع بزملائه لمناقشة مشاريع العمل، ويستريح من ضغط الأيام. كثيرًا ما كان يعود إلى بيته بعد صلاة العشاء، وقد خرج من جلسة صنعت فكرة، أو أصلحت علاقة، أو خففت تعبًا.
وفي مساء هادئ، لمح عند الباب طفلًا صغيرًا بمحفظة ثقيلة، ينظر إلى الجالسين النظرة نفسها التي كان يعرفها جيدًا.
ابتسم دون أن يتكلم.
ثم قال في نفسه:
"ربما يردد الآن ما كنت أقوله يومًا... لكن الزمن وحده سيشرح له الحقيقة."
دخل المقهى بخطوات واثقة، وقد فهم أخيرًا أن بعض الأماكن لا تعرف قيمتها إلا حين تحتاجها، وأن الحكم السريع هو أكثر الأخطاء شيوعًا بين الناس.
العبرة
ليس كل من جلس في مقهى عاطلًا، وليس كل من أسرع في الطريق ناجحًا. أحيانًا تخدعنا الصورة، بينما الحقيقة تسكن التفاصيل.
هل سبق أن حكمت على شخص أو مكان من ظاهره، ثم اكتشفت لاحقًا أنك كنت مخطئًا؟
حميد الع.

I love it 😻
ردحذف