مقدمة
في بعض المدن، لا يسرق الفقر المال فقط… بل يسرق الإنسان من نفسه شيئًا فشيئًا حتى يصبح مجرد ظلٍ يمشي بين الناس. لكن ماذا يحدث عندما يقرر رجلٌ معدم أن يبيع حتى ظله الأخير؟
القصة
في مساءٍ بارد من أمسيات الشتاء، كان السوق القديم يطفو فوق ضجيجٍ خافت يشبه أنينًا جماعيًا لمدينةٍ متعبة. المصابيح الصفراء المعلقة فوق الأزقة الضيقة كانت ترتجف مع الريح، والباعة يصرخون بأصواتٍ متكسرة لجذب آخر الزبائن قبل إغلاق المحلات.
وسط ذلك كله، كان "يونس" يجلس قرب حائطٍ متشقق، يراقب المارة بعينين غائرتين.
لم يكن متسولًا. ولم يكن لصًا. لكنه كان جائعًا بما يكفي ليفكر في أشياء لم يكن يتخيل يومًا أنه سيفكر فيها.
منذ أشهر خسر عمله في المطبعة الصغيرة التي قضى فيها نصف عمره. صاحب المطبعة أغلقها بعد أن تراكمت الديون، وترك العمال يواجهون الشارع وحدهم.
في البداية، حاول يونس المقاومة. باع هاتفه. ثم ساعته. ثم أثاث غرفته قطعةً قطعة. حتى المرآة الوحيدة التي كانت معلقة فوق الجدار باعها لرجلٍ لا يعرفه.
كان يقول لنفسه كل ليلة: «غدًا ستتحسن الأمور».
لكن الغد كان يأتي دائمًا أكثر قسوة.
في تلك الليلة، اقترب منه رجل عجوز يرتدي معطفًا أسود طويلًا. كان يحمل حقيبة جلدية قديمة وعصا خشبية لامعة. توقف أمام يونس وسأله بهدوء:
— هل تبيع؟
رفع يونس رأسه باستغراب.
— أبيع ماذا؟
ابتسم العجوز ابتسامة صغيرة وقال:
— أي شيء.
ضحك يونس بسخرية مريرة.
— لم يبقَ عندي شيء لأبيعه.
نظر العجوز إلى الأرض تحت قدميه. ثم قال:
— بل بقي.
تبع يونس نظراته. كان ظله ممدودًا تحت ضوء المصباح.
ساد صمتٌ ثقيل.
ظن يونس أن الرجل مجنون. لكنه سأله بدافع السخرية:
— وكم سيدفع أحدهم مقابل ظل؟
فتح العجوز حقيبته ببطء. أخرج منها رزمة أوراق نقدية سميكة.
— أكثر مما تتخيل.
شعر يونس بجفافٍ في حلقه. المبلغ يكفيه لأشهر. ربما لعام كامل.
قال مترددًا:
— وماذا سيحدث إن بعته؟
اقترب العجوز منه وهمس:
— لا شيء… في البداية.
كان الجوع أقوى من الخوف. وأقوى من المنطق أيضًا.
مد يونس يده المرتجفة.
صافحه العجوز.
في اللحظة نفسها، انطفأ المصباح فوقهما لثانية واحدة. وحين عاد الضوء… لم يعد هناك ظل تحت قدمي يونس.
عاد إلى غرفته تلك الليلة ومعه المال. اشترى طعامًا كثيرًا. دفع ديونه. واشترى معطفًا جديدًا لأول مرة منذ سنوات.
لكنه حين وقف أمام المرآة في متجر الملابس… شعر بشيء غريب.
كان يبدو موجودًا. لكن ليس بالكامل.
كأن جزءًا خفيًا منه اختفى.
في الأيام التالية، بدأت أمور أغرب تحدث.
الناس صاروا ينسونه بسرعة.
صاحب المقهى الذي يجلس عنده كل صباح صار يسأله عن اسمه كل يوم. الجيران يمرون بجانبه دون انتباه. حتى الأطفال الذين يلعبون قرب الحي لم يعودوا يلاحظونه.
كان يشعر بأنه يتحول تدريجيًا إلى شخص غير مرئي.
وذات صباح، ذهب إلى مكتب عمل بعدما سمع عن وظيفة جديدة. جلس أمام الموظف أكثر من عشر دقائق يشرح خبرته الطويلة. لكن الرجل قاطعه فجأة وقال:
— عذرًا… متى دخلت إلى هنا؟
تجمد الدم في عروق يونس.
عاد إلى غرفته مذعورًا. نظر إلى الأرض. لا ظل.
اقترب من النافذة. أشعة الشمس تدخل بقوة. لكن لا شيء يظهر خلفه.
بدأ يفهم المعنى الحقيقي لما فعله.
لم يبع مجرد ظل. لقد باع أثره في العالم.
وفي الليالي التالية، صار يسمع أصواتًا غريبة قرب باب غرفته. همسات خافتة. خطوات بطيئة. وأحيانًا كان يشعر أن هناك من يقف خلفه مباشرة.
لكنه حين يلتفت… لا يجد أحدًا.
وفي ليلة ممطرة، عاد من الشارع متعبًا. فتح الباب. ثم تجمد مكانه.
كان هناك رجل يجلس فوق كرسيه الخشبي الوحيد.
رجل بلا ملامح.
مجرد جسد أسود كثيف يشبه دخانًا بشريًا.
قال الصوت العميق:
— أنا ظلك.
تراجع يونس حتى اصطدم بالحائط.
— ماذا تريد؟
أجاب الكائن:
— أريد حياتي.
ارتجفت يدا يونس.
— حياتك؟
قال الظل:
— كنتُ جزءًا منك. وحين بعتني… صار عليك أن تدفع الثمن.
ساد الصمت. ثم أضاف:
— البشر يظنون أن الظل مجرد بقعة سوداء. لكنه الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب.
في تلك اللحظة، أدرك يونس شيئًا مرعبًا.
كل مرة باع فيها شيئًا من حياته كي ينجو… كان يفقد جزءًا من نفسه. وظيفته. كرامته. أحلامه. علاقاته. ثم أخيرًا ظله.
لم يكن الفقر يسرق المال فقط. بل يسرق الإنسان قطعةً قطعة حتى لا يبقى منه شيء.
اقترب الظل منه ببطء.
ثم همس:
— هل تعرف لماذا دفعتُ لك ذلك المبلغ الكبير؟
هز يونس رأسه بصعوبة.
قال الظل:
— لأن الإنسان حين يبيع ظله… يصبح سهل المحو.
في صباح اليوم التالي، فتح صاحب البناية باب الغرفة بعدما لم يسمع حركة منذ ساعات.
وجد الغرفة فارغة.
لا يوجد أحد. لا ملابس. لا مال. لا آثار.
فقط حائط قديم تتوسطه بقعة سوداء طويلة تشبه ظل رجلٍ واقف.
ومنذ ذلك اليوم، صار سكان الحي يقولون إن الغرفة تصبح أبرد من باقي الغرف ليلًا. وإن الظل المرسوم على الحائط يتحرك أحيانًا عندما تنطفئ الأنوار.
النهاية
بعض الأشياء حين نبيعها لنستمر في الحياة… نكتشف متأخرين أنها كانت هي الحياة نفسها.
سؤال للقارئ
لو أتيحت لك فرصة بيع شيء غير مرئي مقابل المال… فماذا سيكون آخر شيء يمكن أن تفرط فيه؟
حميد الع.

رائعة جدا
ردحذف👍🏻
ردحذف