القائمة الرئيسية

الصفحات

 





في أغلب البيوت…لا يرحل الآباء دفعة واحدة

بل يرحلون ببطء…
يبدأ الأمر حين يصبح صوتهم إزعاجًا، ونصائحهم تكرارًا مملاً.
الغريب أننا لا نكتشف حجمهم الحقيقي إلا بعدما يضعف ظهرهم، وترتجف أيديهم، ويصبح الحذاء الذي كانت ترتجف له جدران البيت… مجرد حذاء قديم قرب الباب.


القصة:

في طفولتنا، لم يكن أبي يحتاج إلى رفع صوته كي نصمت.
كان يكفي أن نسمع احتكاك حذائه بأرضية الممر حتى تهدأ الغرفة فجأة، كأن البيت كله يحبس أنفاسه احترامًا أو خوفًا… لا أحد منا كان يفرّق بين الاثنين.


ذلك الحذاء الأسود الثقيل، الموضوع دائمًا قرب الباب، كان بالنسبة إلينا أكثر من مجرد حذاء. كان إعلانًا عن حضور رجل يعرف كيف يُدار البيت، وكيف تُغلق الفوضى أبوابها عند عودته من العمل.


وحين يدخل…
يدخل معه النظام.
حتى الجدران بدت يومها أقل تشققًا، وأكثر هيبة.
كان أبي يتحدث قليلًا، لكن كلماته تسقط في البيت كالمسامير.لا أحد يجرؤ على مناقشته، ولا أحد يتأخر عن تنفيذ أوامره. كنا نراه أكبر من التعب، أكبر من المرض، وأكبر حتى من الزمن نفسه.


وفي كل ليلة، كان يخلع حذاءه قرب الباب، ثم يجلس في صمت الملوك.
مرت السنوات سريعًا....
كبرنا نحن، وبدأ أبي يصغر دون أن ننتبه.
في البداية صار يكرر الكلام. ثم صار ينسى أين وضع نظارته. ثم بدأ يسأل السؤال نفسه مرتين، وثلاثًا، وأحيانًا أكثر.
كنا نضحك.


في إحدى الليالي، حاول أن يمنع أخي من الخروج متأخرًا، فابتسم أخي بسخرية وقال:
— 
”الدنيا تغيّرت يا أبي… لم تعد كما كانت.“

ضحك الجميع إلا أبي.
رأيت عينيه يومها ترتجفان بطريقة غريبة، كأن شيئًا داخله انكسر بصمت.


شيئًا فشيئًا، صار أبي يتحدث أكثر… وربما لأن أحدًا لم يعد يصغي إليه.
أصبح كلامه إزعاجًا بالنسبة لنا.
وحين يغضب، لم يعد أحد يخاف.
حتى صوته فقد سلطته.


ذات مساء، سمعت أمي تقول له بضيق:
— 
”دع الأولاد يعيشون زمانهم… لقد كبرت.“

كانت جملة عادية.
لكنها ذبحت شيئًا داخله.
بعدها بأيام، بدأ يجلس قرب النافذة طويلًا، دون كلام.
والغريب… أن حذاءه بقي قرب الباب كما هو، لكن هيبته اختفت.


لم يعد أحد ينتبه لصوت خطواته. أحيانًا يدخل البيت ولا يلتفت إليه أحد أصلًا.
وفي ليلة شتوية باردة، انقطعت الكهرباء عن المنزل.
جلسنا جميعًا في الظلام، نتذمر من البرد، بينما نهض أبي بصعوبة واتجه نحو المخزن ليجلب شمعة قديمة.
سمعنا صوت ارتطام قوي.
ركضنا نحوه…
وجدناه ساقطًا على الأرض، والحذاء الأسود بجواره.
حملناه إلى المستشفى، وهناك قال الطبيب إن قلبه متعب منذ سنوات، لكنه كان يتحمل بصمت.

وعندما عدنا إلى البيت تلك الليلة، رأيت حذاء أبي قرب الباب مغطى بطبقة خفيفة من الغبار.


بعد أسابيع، صار أبي أهدأ من أي وقت مضى.
لم يعد يأمر أحدًا. لم يعد يغضب. حتى نصائحه اختفت.
كأنه اقتنع أخيرًا أن زمنه انتهى.


وفي صباح باكر، خرجتُ للعمل مستعجلًا، فوجدته يحاول ارتداء حذائه بصعوبة.
انحنيت دون كلام، وساعدته.
نظر إليّ طويلًا…
ثم ابتسم.
كانت ابتسامة صغيرة، لكنها أثقل من كل أوامره القديمة.
في تلك اللحظة فقط فهمت الحقيقة التي تأخرنا جميعًا في فهمها:
لم يكن أبي قاسيًا كما كنا نظن…كان فقط يحاول أن يبقى عمود البيت الأخير قبل أن يسقط.


ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت حذاءه قرب الباب، أدركت أن بعض الرجال لا تهزمهم الشيخوخة…
بل يهزمهم شعورهم بأنهم أصبحوا زائدين عن الحاجة.


سؤال للقارئ:

متى كانت آخر مرة استمعت فيها إلى والدك دون استعجال؟


حميد الع.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق