بدأت عملي كمدرس في العشرين من عمري ، هكذا قضيت نصف حياتي في تعليم أجيال المستقبل.
كنت أيامها أقيم مع والدتي .. سعيد بحياتي التي كنت أعيشها ببساطة ، كنت دائما أستطيع أن أبدد الصمت بنكات جميلة ، أخطف بها ضحكات متعالية من بين شفاههم ..
علاقتي مع رؤسائي كانت جيدة دائما .
كنت لا أفكر في الزواج ، فهو بالنسبة لي مسؤولية .. ثم الأولاد .. آه ! كلما تذكرت هذه الكلمة تفتح في خيالي صراعات، يسخن لها مخي، أمي هي التي تشرف على البيت و المصروف، و تعد لي طعامي و تغسل ثيابي ، و أنا لا أبغي على هذا زيادة .
أما شبابي ، فقد استمتعت به جيدا .
إلى أن تعرفت إليها ، كانت من النوع الذي يبتر القلب و يلهب العقل من أول نظرة .. فقلت في نفسي و كأنني أواسيها : لعلها لوعة و تزول .. لكنها زادت يوما بعد يوم ، ثم وجدت نفسي أنساق مع كل حرف من كل كلمة تنطق بها ، فأغوص في ملامحها التي نالت مني ..
و تمر الأيام .. و تيقنت أنه لا سبيل هذه المرة ، هكذا تزوجت و أنا لا أدري .. و لكنني وجدت نفسي .. و الناس يهنئوننا ..
شعور جميل يتمناه كل شخص .. و
أصبح لي بيت و زوجة، و أهل يزوروننا من وقت لآخر .
لم أعد ذلك الشاب الذي يتحدث كثيرا ، و يبتسم لكل وجه جميل يصادفه .. لقد أصبحت زوجا ، و الزوج المحترم يعرف متى يجب عليه أن يبتسم ، حتى أني كثيرا ما ندمت على أفعال اقترفتها من قبل. كنت أشعر معها أني فعلا موجود .. و كملت سعادتي بمولود اسمه "حسن" .
و ذات ليلة من ليالي الصيف الحارة ، لم أجد رغبة في النوم ، ففكرت أن أسهر قليلا حتى يغالبني النعاس فآوي إلى فراشي .
كانت هوايتي قراءة القصص و الروايات .. حتى أنه في وقت ما بدأت أجد
نفسي في الكتابة ، نعم اشتقت إلى الكتابة ، فقد كنت أحلم أن أكون قصاصا مشهورا ، و أن تملأ قصصي رفوف المكتبات .
بدأ حلمي أمامي يكبر، و قررت أن أكتب .. إن أفكاري لامعة ، سأنجح .. حتما سأنجح ..
لم أخبر زوجتي ..
كنت أريدها مفاجأة ..
فهي
تحب المفاجآة. و وجدت نفسي أكتب، كان
حماسي يدفعي، أجلس الساعات الطوال في المقهى، و هذه لم تكن عادتي، أو أنزوي
وحدي في مكتبي ..
تعرفت إلى أصدقاء جدد .. و بدأت زوجتي تفقد سيطرتها، و تنهال علي بأسئلتها المتكرر، و دائما ما تختمها بجملة تنم عن رغبة في المشاجرة، لكنني كنت لا أفسح لها هذا المجال.
دائما ما أجد كلاما أقوله لها ، حتى و إن لم تقتنع به ، لكن إلحاحها جعلني أفضح لها مفاجئتي .. لم تتقبلها .. لم تصدقها حسبتها مراوغة ، و انتهيت من كتابة رواية رائعة.
كان يوم السبت، و هو اليوم الذي سأعرض فيه كتابي، و من واجبي كرب أسرة، أن تعلم زوجتي عن هذا، و أني سأتغيب في المساء. ناقشنا الكتاب .. كان دقيقا، نال إعجاب أصدقائي بفكرته و مضمونه.
عدت إلى بيتي، كانت الساعة الثالثة صباحا، اتجهت إلى غرفة النوم أتدرون؟ كانت فارغة ..
لم تصدقني ..
جن جنوني، و أقسمت ألا أسأل عنها حتى لواعتذرت ..
و في الصباح ذهبت إلى بيت أمي، فقد أوحشني هذا البيت الذي عشت فيه أجمل لحظاتي، كل شيء فيه يذكرني بمرحلة من عمري أو حماقة ارتكبتها.
قضيت اليوم كله مع والدتي و هي تحاول أن تهدئني
.. و هدأ روعي.
و في اليوم الثاني، أصبح حالي أفضل بعدما زال الضيق عن صدري، و أحسست كأنني فقدت ضجيج الأولاد.. و إلى حنين زوجتي .. إنها تحبني .. و تحركت مشاعري.
أخذت والدتي و قصدنا منزل أهل زوجتي، وجدناهم ينتظرون قدومنا، أما زوجتي فلم أشعرإلا وهي
بين ذراعي و أنا أجفف دموعها بيدي .
و عدنا الى البيت، كنا نذوب مع أي حديث نتجاذبه..
بالصدفة فاتحتها عن روايتي، وجمت عن الكلام و تغير لون وجهها و احمرت عيناها ..
فهي لا تريد أن تسمع عن هذا بعد الآن .. فأخذت لها هذا العذر ..
بدأت بكتابة رواية أخرى، و ما كدت أنهي فصلها
الأول حتى عادت زوجتي إلى شكوكها القديمة و شجارها المتعمد. ناقشتها ..
هل هناك ما يغضبك ؟
فردت بكبرياء :
- هل قصرت في حقك ؟ ثم ابتلعت ريقها بشكل ملموس و استطردت : لم تعد كما كنت ، لقد تغيرت كثيرا ..
كانت تعتبر الكتابة عشيقة ، حاولت
إقناعها .. لكن عبثا كانت محاولاتي ..
و اكشفت شيئا واحدا و اقتنعت به ،
إما زوجتي وحبها .. أو الكتابة وحلمي القديم .
و لم تملأ كتبي رفوف المكتبات ..
واسترجعت سعادتي مع أسرتي ..
واقتنعت أخيرا زوجتي ..
حميد الع.

بصراحة لقد اعجبني الموضوع و ايضا ترابط الاحداث
ردحذفقصة جميلة ، بالتوفيق
ردحذف