تحت ضوء شمس الصباح الباكر، حيث تملأ أشعتها الذهبية أرجاء المدينة النائمة، كان مبارك جالساً على كرسي خشبي قديم في فناء منزله الصغير. النسيم العليل ينساب بين أوراق الشجر، يحمل معه همسات الحياة اليومية. صوت العصافير وهي تغني في أعشاشها كان مألوفًا لمبارك، لكنه اليوم مختلف، اليوم كان يسمعها ويرى حركتها لأول مرة.
مبارك، الذي عاش في الظلام لعقود، استعاد بصره بعد عملية جراحية ناجحة. كانت تلك اللحظة أقرب إلى المعجزة في عينيه، لحظة لم يتخيلها يومًا قد تأتي. عينيه كانت مغلقة عندما بدأ النهار يتسلل شيئًا فشيئًا إلى الغرفة، حتى عندما همس الطبيب بكلمات "لقد نجحت العملية"، ظل مبارك مصمماً على أن لا يفتح عينيه إلا في تلك اللحظة التي يشعر فيها بأن الحياة ستغمره من كل اتجاه.
مرت ساعات قليلة منذ مغادرته المستشفى، وكل شيء بدا وكأنه جديد، كأنه ولد من جديد. تلك العصا البيضاء، التي كانت رفيقته الوحيدة في رحلته الطويلة في الظلام، لم تكن سوى قطعة من الماضي. كانت تجلس بجواره على الطاولة، وكأنها تعرف أنها لم تعد لها مكان في حياة مبارك الجديدة.
نظر إليها بعينيه الجديدتين، شعر بارتباط عاطفي غريب تجاهها. كانت العصا تحمل في ثناياها قصصًا لا تُحصى من الرحلات، من السقوط والقيام، من الخوف والشجاعة. ولكن الآن، كان يعلم أن الوقت قد حان لتوديعها.
مد يده ببطء، لامس العصا بأصابعه، أحس ببرودة الخشب تحت يده، وبرودة الذكريات التي كانت تحملها. كانت لحظة تداخل فيها الفرح مع الحزن. ولكن مبارك، وبدون تردد، وقف على قدميه، وابتعد عن العصا بخطوات ثابتة نحو باب المنزل.
فتح الباب، واندفعت أشعة الشمس لتغمر وجهه، وكأنها ترحب به في هذا العالم الجديد. أخذ نفساً عميقاً، وشعر بأن الحياة أمامه كانت متاحة على طبق من ذهب، لكنه كان يعلم في داخله أن تلك العصا ليست سوى خطوة أولى في رحلته الجديدة.
خرج مبارك إلى الشارع، بعيدًا عن العصا، بعيدًا عن كل ما كان يقيده. كانت تلك اللحظة بداية جديدة، ليس فقط برؤية العالم، ولكن برؤية نفسه أيضًا. والأهم من ذلك، كان يعرف أنه الآن، وبعد كل هذه السنوات، أصبح أخيرًا حرًا، بعينين مفتوحتين على العالم، وقلب مليء بالأمل للمستقبل.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق