كان جميل معروفًا ببخله الشديد، فقد كان يقفل الصنبور بإحكام لدرجة أن الماء كان بالكاد يخرج. إذا أرادت زوجته أن تطهو الطعام، كان يعطيها حبة بطاطس واحدة ويقول: "باقي البطاطس لحاجة أهم".
أما أولاده، فقد كانوا يعانون أشد المعاناة. كان يعطيهم شريحة خبز واحدة لكل وجبة، وعندما يطلبون المزيد، كان يقول: "الخبز يحتاج إلى راحة كما تحتاجون أنتم للنوم، يكفيكم هذا القدر!"، و إذا رغبوا في شراء ألعاب، كان يأخذهم إلى السوق ليشاهدوا الألعاب فقط من خلف الزجاج، قائلاً: "النظر مجاني".
في ليلة هادئة، جلس البخيل في غرفته المظلمة، وأمام ضوء الشمعة الضعيف، أخرج صندوقًا صغيرًا ممتلئًا بالنقود و بدأ يتحدث إليها كما لو كانت أصدقاءه المقربين.
قال مبتسمًا: "أهلاً يا أصدقائي الأعزاء، أتعلمون كم أحبكم؟ كل قطعة منكم تحمل قصة كفاح وشقاء.
تنهد بعمق وأكمل: " الناس لا يفهمونني. يقولون إني بخيل، ولكنهم لا يعلمون كم أعاني لأجمعكم وأحافظ عليكم. أنتم أمني وأماني، وبدونكم أشعر بالضياع."
بدأ يلامس النقود بيديه بحنان، وأضاف: "وعد مني، لن أترككم أبدًا، سأظل أحميكم وأجمعكم، سنكبر معًا وسنصبح ثروة عظيمة، حينها سيعرف الجميع قيمة ما فعلت."
ثم أغلق الصندوق بعناية، وأعاد إخفاءه في مكانه السري، وابتسامة رضا على وجهه.
في يوم من الأيام، قررت الزوجة أن تعلّم زوجها البخيل درسًا لن ينساه. وضعت أمامه طعام الغداء كالعادة: حبة بطاطس مسلوقة وقليل من الملح. وعندما جلس "جميل" ليأكل، جاءت وأخذت البطاطس وقدمت له طبقًا فارغًا، وعندما استغرب وسألها عن الطعام، قالت: "البخل جعلنا نقدر قيمة الفراغ أيضًا، أليس كذلك؟".
ضحك الأولاد بشدة، وعلم جميل أن بخله الزائد كان عبئًا كبيرًا على أسرته.
و منذ ذلك اليوم، بدأ "جميل" يفتح قلبه وجيبه قليلاً،وأصبح يشارك أسرته الطعام والفرح، مدركًا أن السعادةليست في جمع المال، بل في تقاسمه مع الأحبة.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق