كنا نجلس معًا في المقهى الذي اعتدنا على ارتياده كل يوم بعد العمل. كان هذا المكان شاهدًا على الكثير من أحاديثنا، ولكن حديث اليوم كان مختلفًا. صديقي، الذي عرفته لسنوات طويلة، بدا وكأنه يحمل همًا ثقيلًا على صدره. عيونه كانت شاردة، وأصابعه تلعب بكوب القهوة أمامه دون اهتمام.
"أتعرف، لم أكن أعلم..." بدأ الحديث، وصوته يحمل نبرة حزينة لم أعتد سماعها منه. نظرت إليه بتركيز، محاولًا فهم ما يدور في ذهنه.
"ماذا تعني؟" سألته بلطف.
تنهد بعمق، كأنه يحاول جمع أفكاره قبل أن يسترسل في الحديث. "لم أكن أعلم أن والدي كان يعيش بهذا التقشف. اكتشفت ذلك فقط بعد وفاته، عندما فتحت خزانة ملابسه."
صمت لثوانٍ، وكأن الكلمات كانت تخونه. ثم تابع بصوت متقطع: "كل ملابسه كانت بالية، أحذيته ممزقة، بعضها به ثقوب. لم ألحظ ذلك أبدًا. لم أفكر يومًا أن والدي، الرجل الذي اعتبرته دائمًا قويًا ومستقلًا، كان يخفي عني حاجته."
شعرت بوجعه، ولكنني بقيت صامتًا، مستمعًا لكلماته التي كانت تحمل وزن الألم.
"كيف لم أنتبه؟" سألني، وكأنه يبحث عن إجابة لا أملكها. "كان يأتي إلى البيت كل يوم، متعبًا ومرهقًا، ولم أكن أفكر يومًا في أنني قد أساعده، أن أشتري له شيئًا بسيطًا يخفف عنه. الآن... الآن وقد رحل، ماذا يمكنني أن أفعل؟"
عندما انتهى من حديثه، كانت عيونه تلمع بالحزن، وكأن كل الذكريات التي مر بها مع والده كانت تثقل عليه. شعرت بحاجة للقيام بشيء، للتخفيف عنه ولو قليلاً.
وضعت يدي على كتفه بلطف، وقلت له بصوت مطمئن: "أعلم أن الشعور بالذنب قد يكون ثقيلًا، لكن صدقني، والدك كان يعرف أنك تحبه. ربما لم تكن تلاحظ التفاصيل الصغيرة، لكنك كنت معه، وكان ذلك يعني له الكثير. الآن، أهم شيء هو أن تتعلم من هذا وتكون ذلك الابن والإنسان الذي كان يطمح له والدك. ولا تنسَ، أنك لست وحدك. نحن هنا من أجلك."
رفع رأسه ونظر إليّ، وكأن كلمات المواساة التي قدمتها قد خففت قليلاً من عبء مشاعره. تبادلنا نظرة صامتة، ولكنها كانت مليئة بالتفاهم، وعرفت أنني قد قدمت له شيئًا بسيطًا، ولكنه كان في أمس الحاجة إليه.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق