القائمة الرئيسية

الصفحات






في إحدى أمسيات الشتاء الباردة، كان المطر ينهمر بغزارة من السماء، يروي الأرض بنغمة من الهدير المتواصل. ارتعش الهواء في الغرفة المظلمة، التي كانت تعج بصوت الرعد بين الحين والآخر. فجأة، انقطع التيار الكهربائي، وغمرت الظلمة المكان.



تجمدت الأسرة للحظة، ثم قفزوا جميعاً إلى تحريك أصابع الشمع الطويلة التي كانوا قد أعدوها سلفا. تجمعوا حول الضوء الخافت للشموع، التي ألقت ظلالاً متراقصة على الجدران، وأخذوا يرمقون بعضهم البعض بابتسامات مطمئنة.



أخذ الجد، الذي كان يجلس في منتصف الدائرة الضوئية، يراقب أحفاده الصغار بعيون مليئة بالحب. في وسط هذه الأجواء الساحرة، شعر أن اللحظة المثالية قد حانت ليروي لهم حكايات من زمنٍ بعيد.



قال الجد، وهو يمرر بيده على لحية بيضاء مهيبة: "أتعلمون، في مثل هذه الأمسيات الباردة، كانت قصص الشتاء تملأ منازلنا، وتدفئ قلوبنا أكثر من أي نار. لم يكن لدينا ضوء الكهرباء، ولكن لدينا قصص الجدات التي كانت تضيء عوالم خيالية."



استطرد قائلاً: "عندما كنت صغيراً، كانت الدنيا مختلفة تماماً. كنا نعيش في عالم مليء بالخرافات البريئة. أتذكر أننا كنا نعتقد أن الخبز ينمو على الأشجار. نعم، في خيالنا، كانت شجرة الخبز تنمو في حديقتنا، وكلما أردنا رغيفاً طازجاً، كنا نخرج ونقطفه كما الفواكه."



واصل الجد قائلاً، وهو يريهم كيف أن الضوء الخافت للشموع يلعب على ملامح وجهه: "وفي عالمنا، لم نكن نحتاج إلى نقود لشراء حاجياتنا. كنا نذهب إلى البقال، الذي كان يملأ سلتنا بكل ما نريد بابتسامة، ثم يقول لنا: خذوا ما تشاؤون، فلن تحتاجوا للدفع. "كأننا نعيش في عالمٍ من السحر والكرم."



ابتسم الأحفاد، مستمعين بتركيز: "وكان الجزار، كما كنت أسميه، هو من يصنع اللحم. لم يكن لدينا محلات مثل اليوم، بل كان الجزار يأتي إلى قريتنا، يذبح الحيوانات، ثم يقطع اللحم بأيدٍ ماهرة. كنا نرى العملية وكأنها سحر حقيقي."



سأل أحد الأحفاد بفضول: "وماذا كنتم تفعلون في الأمسيات، حينما تنخفض الحرارة ويشتد البرد؟"



أجاب الجد برفق، وهو يتأمل في ألسنة اللهب التي ترقص على الشموع: "كنا نتجمع حول النار في المساء، نستمع إلى قصص الجدات. كانت حكاياتهن تملأ قلوبنا بالدفء، وتجعلنا نعيش في عوالم سحرية عبر الأزمان. كانت القصص تروي لنا عن أبطالٍ وشخصياتٍ خيالية، وكل قصة كانت تأخذنا في رحلة عبر الزمان والمكان."



وفي ضوء الشموع الهادئ، شعر الأحفاد بأن الزمن كان يحمل في طياته سحره الخاص، وأن القصص كانت وما زالت جسرًا يربط بين الأجيال، ينقل لنا عبرها عبق الزمن الجميل.


حميد الع.


تعليقات