القائمة الرئيسية

الصفحات




في صباح يوم اثنين مشرق، قررت أن أزور السوق الأسبوعي بعد فترة طويلة من الانقطاع. شعرت بشوق لروائح المكان وأصواته التي تعيدني إلى أيام طفولتي، حيث كانت هذه الرحلة الأسبوعية واحدة من أهم طقوس حياتنا.


بمجرد أن اقتربت من مدخل السوق، بدأت الحشود تتزايد، وكأن كل فرد من القرية قد اجتمع هنا اليوم. شعرت بفيض من الذكريات ينساب في عقلي مع كل خطوة، وكأنني أخطو في متحف حي، تتناثر فيه التفاصيل التي تشهد على عمر هذا المكان وأهميته.


كانت أصوات الباعة وصياحهم تتردد في الهواء، ممتزجة برائحة الخبز الطازج والتمور العطرة. بضع خطوات أخرى داخل السوق، وتبدأ المشاهد بالتكشف: أكوام من التمر المتراصة بحب، وكأنها تدعوك لتذوق حلاوتها التي لا تقاوم، وعلى الجانب الآخر، عجوز يجلس خلف طاولته الخشبية، يعرض سجادًا يدويًا صنعته أنامل بناته، كل قطعة تحمل قصة مختلفة من تاريخ الأسرة وتقاليدها.


الأصوات تملأ المكان؛ صوت البائع ينادي بأعلى صوته على بضاعته، وصوت الأطفال يتراكضون حول عربات الحلوى، بينما ترتفع ضحكات النساء اللواتي اجتمعن تحت مظلةٍ قديمة، يعرضن مصنوعاتهن اليدوية من تطريز وملابس. تمر من بينهن، فتستوقفك عبارات الترحيب والمزاح الذي يعكس دفء العلاقات بينهن.


وعلى طرف السوق، يجلس الحاج إبراهيم، الرجل الطاعن في السن الذي يحضر كل اثنين منذ سنوات. يجلس على كرسيه الخشبي، يحتسي شايًا يعده له جاره البائع الذي لا يتوانى عن تلبية طلبه. يلتف حوله الصغار والكبار يستمعون لحكاياته، التي تنسج بين أسطرها عبق الماضي وحكمة الأجداد.


وعندما يحين وقت الغداء، يتحول السوق إلى مطبخ مفتوح تتعالى فيه روائح الأكلات الشهية التي تثير الشهية قبل العين. في الزوايا المختلفة، تجد أطباق الشواء التي تنضج فوق الفحم، يتصاعد منها الدخان الأبيض محملًا بروائح اللحوم المتبلة بإتقان. وعلى الجانب الآخر، تُعرض أطباق الطاجين التقليدية بألوانها الزاهية، كل طاجين يحمل طابعًا خاصًا يجمع بين لذة المكونات وحنكة الطباخين.


لا تكتمل الصورة دون الأكلات الشعبية التي تُحضر على أيدي النساء اللواتي يتوارثن فنون الطهي من جيل إلى جيل. ترى الفطائر المقلية بالزيت الساخن، والعصيدة الساخنة تُقدم بجانب العسل والزبدة، بينما تُعد أكواب الشاي بالنعناع لترافق كل وجبة، حيث يجتمع الناس حول هذه الأطباق لتناول غدائهم في جو من البساطة والألفة.


الوجبات ليست فقط لإشباع الجوع، بل هي جزء من التجربة الاجتماعية التي تميز السوق؛ حيث يتم تبادل الأطباق والابتسامات بين الجيران والأصدقاء، في لحظات يتشارك فيها الجميع دفء العلاقات وروعة التراث المتجدد.


تعود إلى منزلك وأنت تحمل ليس فقط ما اشتريته، بل أيضًا دفء اللقاءات وروعة اللحظات التي قضيتها بين الناس، في يوم يتوارثه جيل عن جيل.


حميد الع.


تعليقات