في إحدى الأمسيات الهادئة، كنت جالسًا مع صديقي بشير في حديقة منزله، حيث بدأ يحكي لي قصة مؤلمة عن صديقه سالم.
"كان سالم شابًا طيب القلب، نشأ في كنف والدته التي ضحت بالكثير لتربيه بمفردها بعد وفاة والده.
ومع مرور السنين، تزوج سالم واستقر في بيته الجديد مع زوجته، إلا أن حياتهم لم تخلُ من التوترات والمشاحنات.
كانت زوجة سالم متطلبة، ولم تكن راضية عن مستوى الحياة الذي يقدمه لها. بدأت تضغط على سالم، حتى أقنعته بأن يحضر والدته لتعيش معهم كخادمة في المنزل، لأن صديقاتها من أسر ميسورة و لها خادمات.
كانت الأم تعلم أنها لن تُعامل كأم أو كضيفة في بيت ابنها، بل كعاملة تخدم ابنها وزوجته مقابل السكن والمأوى.
رضخت الأم للواقع الأليم، وعملت دون كلل، مفضلةً صمتها على أن تثقل كاهل ابنها بأحزانها. كانت تنظف وتطبخ وتعتني بكل تفاصيل المنزل، بينما ابنها وزوجته يعيشان حياتهما براحةٍ تامة. كانت تبتسم برغم الألم، وكلما نظرت إلى ابنها كانت ترى فيه ذلك الطفل الصغير الذي كرست حياتها من أجله.
وذات ليلة، عاد سالم إلى المنزل في وقت متأخر، ودخل إلى المطبخ ليجد والدته منهكة تجلس بجانب الطاولة. كانت عيناها مملوءتين بالتعب والحزن، فجأة، شعر سالم بوخز في قلبه. أدرك أنه وضع أمه في موقفٍ لا يليق بها، وأنه أخطأ عندما أجبرها على أن تكون خادمة في بيته إرضاءً لزوجته.
لم يستطع التحدث، فقط اقترب منها، وأمسك بيدها ليشعر ببرودتها التي تخبئ تحتها سنوات من التعب والصبر. قبّل يدها وهمس قائلاً: "أمي، سامحيني. لقد أخطأت في حقك." كان ذلك الاعتراف مؤلمًا، ولكنه كان بداية لإصلاح خطئه.
في تلك الليلة، قرر سالم أن يعيد لأمه مكانتها الحقيقية في حياته، وأن يجعلها تعيش كما تستحق، كأم ملكة في قلبه قبل منزله.
حين انتهى بشير من سرد القصة، شعرت بدموع تتجمع في عيني. ودون تردد، نهضت بسرعة إلى البيت، وتوجهت مباشرة نحو والدتي.
أمسكت بيدها وقبلتها بكل حب، وأدركت حينها أن تضحيات الأمهات لا يجب أن تُنسى أبدًا، وأنهن يستحقن منا كل تقدير واحترام.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق