القائمة الرئيسية

الصفحات

تجربة قصصية: شجرة الذكريات و الفرح




في قلب البادية، حيث تمتد الأرض الواسعة بكرمها وخصبها، كانت شجرة التين العظيمة قائمة في وسط منزلنا الكبير. لم تكن شجرة عادية، بل كانت عنوانًا للزمن ولذكريات لا تُنسى. منذ كنت صغيرًا، كنت أركض نحوها في صباحات الصيف الحارة، أتسلق جذعها القوي وكأنني أبحث عن ملجأ من صخب العالم.



كانت أوراقها الخضراء تهمس لنا بأسرار الفصول، وثمارها تلمع تحت أشعة الشمس كأنها كنوز مخبأة تنتظر من يكتشفها. كم من مرة تسابقنا أنا وإخوتي لنقطف أولى الثمار التي تنضج، وكان لكل منا مكانه الخاص تحت ظلالها الكثيفة، حيث نتبادل الضحكات ونتذوق حلاوة الحياة.



ومع مرور الأيام، كانت شجرة التين تكبر، وكنا نحن نكبر معها. في كل عيد، كان تجمع العائلة تحتها بمثابة تقليد مقدس. نتبادل الحكايات عن الماضي، ونتشارك الأماني للمستقبل. كانت شجرة التين تحتضننا جميعًا، كبارًا وصغارًا، بظلها الوارف، وكأنها تحرس ذكرياتنا وتنثر عبيرها في كل زاوية من زوايا الدار.



حتى بعد أن بدأ الشيب يعلو رأسي، بقيت الشجرة على حالها، شامخة، صامدة في وجه الزمن. كلما نظرت إليها، تذكرت أيام الطفولة، وتذكرت كل لحظة قضيتها تحت أغصانها. لم تكن مجرد شجرة بالنسبة لنا؛ كانت رمزًا للارتباط والدفء العائلي.



وفي كل مناسبة، كانت الشجرة تُحدث فرحًا عارمًا في نفوسنا. كان لها سحر خاص، يجذب أفراد الأسرة من كل حدب وصوب. نلتقي تحت ظلالها، نتبادل الابتسامات ونسترجع الذكريات. وكأن الزمن يتوقف عندها، لتبقى حاضرة في وجداننا، حافظةً لكل ما هو جميل في حياتنا.



هكذا كانت شجرة التين في بيتنا؛ شاهدة على مراحل حياتنا، ومصدرًا للفرح والوحدة. ستظل دائمًا في ذاكرتي، كرمز للسلام والحنين إلى الأيام الخوالي.


حميد الع.


تعليقات