جلس نزار وسط الغرفة المظلمة، متكئًا على الجدار البارد، مستمعًا إلى صوت الرياح التي تصفر في الخارج. كان الفراغ يملأ كل زاوية في المكان.
ظلام دامس يحتضن كل شيء، لا شيء سوى صوت تنفسه الثقيل وذكرى العالم الذي كان.
الغبار المتطاير في الهواء يلتصق بجوانب الغرفة، وكأن الجدران تتنفس معه. نزار، آخر البشر، كما كان يعتقد، لم يعد يعلم ما إذا كان العالم قد انتهى حقًا، أم أن هذه هي بداية النهاية فقط.
قبل سنوات، كان نزار مهندسًا يعمل في مشروع كبير للبحث عن موارد جديدة للطاقة. كانت البشرية في أوج تطورها التكنولوجي، إلا أن استهتارهم بالطبيعة قادهم إلى الكارثة. تسببت سلسلة من التجارب الفاشلة في إحداث شقوق هائلة في الغلاف الجوي، مما أطلق مواد سامة في الهواء وحول العالم إلى أرض قاحلة.
نجا نزار بأعجوبة، مختبئًا في مخبأ تحت الأرض كان قد أنشأه مع فريقه في حالة الطوارئ.
مع مرور الوقت، أصبحت ذكرى العالم القديم شبحًا يطارده في أحلامه. لكن، في أعماق قلبه، كان يدرك أنه لا يستطيع البقاء مختبئًا إلى الأبد. قرر في أحد الأيام المضي قدمًا والخروج إلى السطح، لمواجهة ما بقي من هذا العالم.
عندما خطا إلى الخارج لأول مرة، واجه منظرًا مقفرًا. لا أشجار، لا حياة، فقط سماء حمراء ومحيط من الغبار. ومع ذلك، لم تكن هذه النهاية.
بينما كان يتجول في الأطلال، اكتشف إشارات على وجود حياة أخرى، حياة لم يكن يتوقعها. كانت هناك كائنات جديدة، كائنات تطورت لتعيش في هذه الظروف القاسية.
نزار كان حذرًا في البداية، لكنه سرعان ما أدرك أن هذه الكائنات لم تكن عدائية. بدلاً من ذلك، كانت تبحث عن نفس الشيء الذي يبحث عنه: البقاء. في مواجهة هذا الواقع الجديد، بدأ في التفكير في كيفية التكيف مع هذه الكائنات، ومعرفة كيفية العيش في عالم ما بعد الكارثة.
بعد أسابيع من التجوال في هذا العالم الجديد، أدرك نزار أن هناك أملًا. الكائنات الجديدة كانت بداية حياة جديدة، بداية لعالم يمكن أن يكون مختلفًا عن السابق، لكن ليس بالضرورة أقل قيمة.
جلس على قمة تلة تطل على ما تبقى من الأرض، وأخذ نفسًا عميقًا، ملأ رئتيه بالهواء الجديد. كان ذلك أول نسيم نقي يشعر به منذ الكارثة.
أدرك حينها أن هذا ليس مجرد نهاية، بل فرصة للبداية من جديد، كما أن التعلم من الماضي قد يكون مفتاح النجاة في المستقبل.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق