في صباح يوم غائم، دخل عمر إلى مكتبة قديمة في زاوية مهملة من الحي، حيث كانت الكتب تتراكم على الرفوف العالية، تغطيها طبقات من الغبار.
جذب انتباهه كتاب قديم بغلاف جلدي متآكل، لم يكن عليه أي عنوان. وبينما يقلب الصفحات الصفراء، سقطت منه قصاصة ورق صغيرة، مشوهة الأطراف، كتبت عليها بضع كلمات بالكاد يمكن قراءتها.
كانت الكلمات تقول: "وفي الليلة التي سكنت فيها الرياح، أدرك أن الطريق..." توقفت الجملة هنا. أخذ عمر الورقة بيده وأخذ يتأمل فيها، بينما كانت أفكاره تدور حول ما قد يكون المقصود. هل كان البطل في القصة يسير في طريق مظلم؟ أم كان في لحظة تحول؟ لم يكن يعرف، لكنه شعر بشيء غريب يربطه بتلك الكلمات.
قرر عمر أن يكتب تتمة القصة بنفسه. جلس في زاوية المكتبة وبدأ يكتب:
"وفي الليلة التي سكنت فيها الرياح، أدرك أن الطريق الذي كان يسير فيه منذ سنوات لم يكن سوى انعكاس لظلال ماضيه. كانت خطواته تتردد في وادٍ من الذكريات، حيث لم تكن الأشياء تبدو كما هي. قرر أن يعود إلى بداياته، حيث لم تكن هناك ضغوط أو متطلبات، ليعيد اكتشاف نفسه."
بينما كان يكتب، شعر عمر أن الكلمات تنساب من قلبه، وكأنه يروي جزءًا من حياته لم يجرؤ يومًا على التعبير عنه. أخذ يعيد قراءة ما كتب، فلاحظ أن القصة التي يكتبها لم تكن مجرد خيال، بل كانت جزءًا من ذاته.
لكنه توقف فجأة. لم يكن يعرف كيف ينهي القصة.
ارتجفت يده من الحيرة وهو يمسك بالقلم. ما كان يعجز عن كتابته هو ما يعجز عن مواجهته في حياته.
كان الجزء الناقص في القصة يعكس الجزء الناقص في داخله، الجزء الذي لم يكتشفه بعد.
أعاد الورقة إلى الكتاب، وأغلقه بعناية، ثم وضعه على الرف. شعر عمر أن القصة التي بدأها لن تنتهي أبدًا، لأنها ببساطة "ربع قصة". قصة لم تكتمل ولن تكتمل، لأنها جزء من رحلته المستمرة في اكتشاف ذاته، في مواجهة الأسئلة التي لا إجابة لها.
خرج من المكتبة، وأحس أن حياته نفسها قد تحولت إلى "ربع قصة"، تحمل في طياتها بقايا ماضيه وأشباح أحلامه، تاركةً له الخيار في كيفية إكمالها.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق