اجتمع الأصدقاء في مساء هادئ، حيث كان صوت الرياح يعانق أطراف الأشجار بهدوء يبعث الطمأنينة في النفوس. قطع الصمت أحدهم، وقال: "هل أخبرتكم عن غضب الطبيعة؟"
الأنظار كلها اتجهت نحوه بترقب، وهو يتنفس بعمق، ثم واصل: "الطبيعة أمٌ حكيمة، صبورة على الإنسان وأخطائه. لكن، إذا شعرت بغروره وطغيانه، فإن غضبها يأتي صامتًا في البداية، كما تفعل العاصفة التي تبدأ بنسمة ريح قبل أن تتحول إلى إعصارٍ يدمر كل ما يعترض طريقه."
نظر أحدهم بدهشة وسأله: "وكيف ذلك؟"
ابتسم وتابع: "الإنسان يعتقد أنه يستطيع التحكم في كل شيء، يبني الأبراج الشاهقة ويغزو السماء. لكنه ينسى، يتجاهل العواصف التي تكسر تلك الأبراج، والفيضانات التي تمحو المدن، والزلازل التي تهز الأرض من تحت قدميه. الطبيعة، يا أصدقائي، لا تنتقم إلا عندما نشعر بأننا أعلى منها، وعندما نتمادى في لامبالاتنا تجاهها."
أضاف آخر: "وكيف نعرف متى يكون غضبها؟"
رد عليه قائلاً: "لا نعرف. فقط نشعر. في تلك اللحظة التي تبدو فيها السماء هادئة والأرض ساكنة، يأتي الانفجار، الطبيعة تذكّر الإنسان دائمًا أن غروره مؤقت، وأنها، في النهاية، صاحبة الكلمة الأخيرة."
تحدث الرجل بنبرة أكثر جدية، وقال: "خذوا الفيضانات مثالاً. تأتي فجأة، تغمر كل شيء في طريقها؛ البيوت، الحقول، والذكريات. ما تخلفه الفيضانات ليس مجرد دمار مادي، بل حياة ممزقة. أطفال يصبحون أيتامًا بين ليلة وضحاها، وأمهات يجلسن في عزلة، يبكين على من فقدن من أحبة.
الطبيعة لا تكتفي بإغراق الأرض بالماء، بل تغرق معها أرواحًا تائهة، تاركة خلفها حزنًا لا يُمحى وآثارًا من الألم تتوارثها الأجيال."
سكت الأصدقاء لبرهة، وكأن الرياح في الخارج حملت معها صدق كلماته، وبدؤوا يشعرون بأنفسهم جزءًا صغيرًا من هذه الأرض الواسعة، التي تتأنى في معاقبتهم، لكنها لا تنسى.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق