تجربة قصصية: تلميذ مشاغب
في
الصف الأخير بجوار النافذة، كان حسن دائمًا
يجلس كما لو أنه في منفاه الذي اختاره
بنفسه. كان طالبًا متمردًا لا يغفر لنفسه فرصة للسخرية، ولا يحتفظ بدروس إلا ليحولها إلى
نكتة. كان الفصل بالنسبة له بمثابة
مسرح، وضحكاته القوة المحركة له، أما المعلم فكان خصمًا
يسعى لاستفزازه كل يوم.
لم يكن ذلك اليوم مختلفًا عن باقي الأيام. كانت الفوضى تعم المكان، همسات تتردد، قطعة طباشير تطايرت من الخلف وضربت السبورة، وضحكات مكتومة تعلو. لكن اللحظة التي غيرت كل شيء كانت غير متوقعة. كان المعلم يشرح بينما كان حسن يتأرجح على مقعده، فمازحه زميله،
فاختل توازنه وسقط على
الأرض، وارتطم رأسه بحافة الطاولة بصدمة
قوية. عم الصمت فجأة، وكان كما لو أن الهواء قد انقطع.
تم نقل حسن إلى المركز الصحي،
وعيناه نصف مفتوحتين، يسمع الصوت ولكنه لا يستطيع التحدث. لم يكن الألم يقتصر على رأسه فقط، بل كان هناك شيئًا أعمق
بدأ يستيقظ بداخله ببطء. بعد بضعة أيام، عاد إلى الصف مغطى
بضمادة بيضاء وهدوء غير مألوف. جلس في مكانه المعتاد، لكن النافذة بدت كأنها تؤدي
إلى حياة أخرى.
لاحظ الجميع هذا التحول، حتى المعلم الذي
اعتاد على توبيخه. لم يعد حسن يتسبب في المقاطعات، ولم يكن يضحك بدون سبب. أصبح يكتب كثيرًا، ويحدق طويلًا في السبورة، وكأن تلك السقطة أزالت
غشاوة قديمة عن عينيه.
في
أحد الامتحانات، كتب في ذيل الورقة :
"عندما
سقطت، كنت أهرب وأنا واقف، فواجهتني الحقيقة
".
ببطء، تحول حسن إلى التلميذ الذي يُسأل
بدلاً من يعاقب، والذي يُستمع إليه بدلاً من
إسكات صوته. لم يتحول إلى ملاك، ولكنه أصبح شخصًا يمكنه أن يرى العواقب قبل
الضحك، ويفهم أن الفصل ليس سجنًا، بل هو فرصة.
لم
تترك تلك الحادثة ندبةً في رأسه فقط، بل فتحت له بابًا في داخله بابًا جعله
يدرك أن بعض السقوط.. هو السبيل الوحيد للوقوف حقا.
.حميد الع

تعليقات
إرسال تعليق