القائمة الرئيسية

الصفحات

 تجارب قصصية : مجنون البحر




كان يطلق عليه بشير، صيادًا يعتمد في رزقه على قارب خشبي صغير، مهتري الأطراف، يعكس صفاته من حيث الهدوء والتحمل. 
ينطلق قبل بزوغ الفجر، عندما تكون الأمواج غافية والسماء تحت تأثير الليل الذاهب والنهار القائم. كان يردد: إن البحر لا يمنحك كل شيء دفعة واحدة، بل يقوم باختبارك أولًا.

في ذلك اليوم، دفعه المد إلى أبعد نقطة مما تعود عليه. خذلته الرياح، وأصبحت المجاذيف أكثر ثقلًا، حتى وصل إلى شاطئ صغير لم تطأه أقدام البشر، محاطًا بصخور سوداء كأنها حراس لغز قديم. بين الطحالب الرطبة ورغوة البحر المتلاطمة، اكتشف جسدًا مختلفًا عن أي شيء استخرجته شباكه من قبل.
كانت حورية… أو شيء يوحي أكثر بالحلم منه بالحقيقة. خصلات شعرها مبللة بالملح، بشرتها باهتة، وعلى ذيلها جروح عميقة، كأن شباكًا صدئًا نال منها بلا شفقة. لم تُصدر صوتًا. عيناها كانت تتوسلان بمفردها.

تردد بشير لحظة، ثم تخلى عن مخاوفه. مزق قميصه، وغسل الجروح بماء عذب احتفظ به، وربطها بعناية صياد يعرف أن أي خطأ قد يؤدي إلى الفناء. عندما فتحت عينيها، لمست يده، همست بصوت مشابه لاندفاع موج متردد:
— ستدفع ثمن هذا… أو ستجني بركة.

لم يفهم تمامًا. لكنه ابتسم.
عند غروب الشمس، اختفت. وتركت خلفها أثرًا من ماء دافئ ورائحة بحر لم يعرفها من قبل.
عاد بشير إلى قريته، وروى ما حدث له، كلمة بكلمة. ضحكوا. قالوا إن البحر قد جننه. شيخ الميناء بصق على الأرض، والنساء أغلقت الأبواب عندما مر. أصبح مجنون البحر.

ببطء، سحب نفسه من المجتمع، ومن الصيد كذلك. ربط قاربه، وجلس بجوار الشاطئ، يراقب الأفق، كأنه كان ينتظر شيئًا ما.
مرت الأيام، ولم تعد الحورية. عاد البحر لطبيعته: أحيانًا كرم وأحيانًا قاسٍ. وبشير. . . لم يسعَ لإقناع أي شخص بعد ذلك اليوم. التزم الصمت. ربط قاربه وعزل نفسه عن الناس والصيد معًا، كأن البحر استرد ما أعطاه، أو كأن العهد الذي سمعه لم يكن سوى سراب مؤلم.

كل صباح، جلس عند نفس الشاطئ الصغير، يحدق في الصخور السوداء، يلامس الرمل بأصابعه، وينتظر. لم يكن هناك صلاة، ولا دعاء، فقط انتظار صامت يشبه اعترافًا أخيرًا.
المارة عبروا بجانبه كما يمرون بجانب حجر.
قالوا: الجنون يأكل أصحابه ببطء.
وقال آخرون: البحر أفرغ عقله كما يفرغ الشباك.

في إحدى الصباحات، لم يعد يجد أحد في موقعه. عثروا على قاربه مقلوبًا، والمجداف مشقوقًا لنصفين، من دون أي علامة على قتال. كان البحر هادئًا. . . هدوءً مريبًا.
قالوا إنه غرق.
قالوا إنه انتحر.
قالوا إن البحر أخذه لأنه كان ينظر إليه أكثر من اللازم.
لم يذكر أحد الحورية. ولم يجرؤ أحد على ذلك.

بعد عدة أيام، عندما انحسر المد، ظهرت قرب الشاطئ
 الصغير صدفة بحرية غريبة، لم يروا مثلها من قبل، بلون أزرق داكن، ناعمة، بدون أي خدش. رماها الأطفال، وداسها المارة، وبقيت بلا قيمة.
وحده البحر كان يعرف الحقيقة.
وحده البحر صدقه.

حميد الع.




تعليقات