القائمة الرئيسية

الصفحات

 تجربة قصصية: شموخ ديك

قصة ديك يعتز بنفسه

لم أكن ديكًا عاديًا في ذلك الفجر. كنتُ سيّد الساحة الترابية، حارس الضوء الأول، أوقظ البيوت قبل أن تستيقظ القلوب. ريشُ صدري أحمرُ كالشمس حين تخجل، وخطوتي محسوبة كأنها تُدوَّن في دفاتر الريح.


 في البادية، لا شيء يُمنَح مجانًا؛ كل شموخٍ ثمنه صبر، وكل صياحٍ وراءه حكاية.


حين التفَّت حولي الكتاكيت، كانت عيونها صغيرةً، واسعةً في آنٍ واحد، تشبه الأسئلة التي لم تتعلم بعد كيف تُسأل. اقتربتُ منها لا لأتباهى، بل لأحكي. قلت لهم:


«أنا لم أصرخ لأن صوتي جميل، بل لأن الصمت في الصباح خيانة. تعلّموا أن الوقوف على التراب شرف، وأن من يعرف أصل الريشة لا تكسِره العاصفة».


حدثتهم عن ليالي البرد حين كان القمر أقرب من الحظ، وعن نهارات القيظ حين يُختبر الجلد والعزم معًا. قلت: «الكرامة ليست في كثرة الطعام، بل في معرفة متى ترفع رأسك، ومتى تثبّت قدميك».

 كانوا يصغون، والريح تُصفّق للكلمات، وكأنها تعرف أن الحكايات الجيدة لا تحتاج إلى زينة.



مرّت الأيام، وكبر الصياح في صدري، لا من الغرور، بل من الامتلاء. كنت أعرف أن النهاية لا تُفاجئ من عاش مستقيمًا. حين جاء اليوم الثقيل، لم أرتجف. نظرتُ إلى الساحة للمرة الأخيرة، فوجدتُ فيها حياتي كلها: آثار مخالب، بقايا حبّات قمح، وذكرياتٍ لا تُذبح.


في تلك اللحظة، فهمتُ سرًا لم أقله للكتاكيت من قبل. ليس الشموخ أن تنجو دائمًا، بل أن تخرج من الحياة كما دخلتها: صادقًا مع نفسك. حتى وأنا في أسوأ حالاتي، كنت أعلم أن طعمي لن يخذل صاحبي؛ لأن من عاش بكرامة، يترك أثرًا نقيًا، لا مرارة فيه.


قلت في سري: «ليكن الجسد زادًا، لكن ليبقَ المعنى حيًا».


وحين عاد الصباح بعدي، صاحت الكتاكيت بصوتٍ جديد. لم يكن يشبه صوتي تمامًا، لكنه كان مستقيمًا بما يكفي ليوقظ الضوء.

حميد الع.

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق