القائمة الرئيسية

الصفحات

    تجارب قصصية: الدفتر الأزرق

هذه القصة تسلط الضوء على جوهر التعليم الحقيقي، حيث لا قيمة للمعرفة إن لم تتحول إلى فهم، ولا معنى للحفظ إن لم يغيّر طريقة التفكير.وهي تذكير بأن المدرسة ليست مكانًا لتكديس المعلومات، بل فضاء لبناء الإنسان.


 

في آخر الصف، قرب النافذة التي لا تُفتح إلا نادرًا، كان يجلس عمر لم يكن الأبرز بين التلاميذ، ولا الأكثر مشاركة، لكن شيئًا واحدًا كان يميّزه:دفتر أزرق قديم، غلافه متآكل، وصفحاته تحمل أثر استعمال طويل، كأنها عاشت أكثر مما ينبغي.


كان الأستاذ يدخل كل صباح، يكتب الدرس على السبورة، يشرحه بإيقاع 
محفوظ. التلاميذ ينسخون بسرعة، رؤوسهم مائلة، وأعينهم تراقب الساعة.

أما عمر، فكان يكتب ببطء، يتوقف، يعيد صياغة الجملة، ثم يدوّنها بطريقته.


في أحد الأيام، توقف الأستاذ عند طاولته وسأله بنبرة لا تخلو من ضيق:– لماذا تتأخر دائمًا في الكتابة؟رفع عمر رأسه وقال بهدوء:– لأنني أكتب ما أفهم، لا ما أراه فقط.


تسللت ضحكات خفيفة في 
القسم. دوّن الأستاذ ملاحظة عابرة، ومضى وكأن الأمر لا يستحق التوقف.


حلّ 
الامتحان. أسئلة مباشرة، مأخوذة من الكتاب حرفيًا.خرج التلاميذ مطمئنين، يتبادلون الإجابات.خرج عمر صامتًا، والدفتر الأزرق لا يفارق يده.


عند إعلان النتائج، كانت المفاجأة:عمر حصل على أعلى نقطة في مادة اعتاد الجميع اعتبارها مادة حفظ فقط.


استدعاه الأستاذ، وطلب الاطلاع على الدفتر 
الأزرق. لم يجد نقلًا أعمى، بل شروحًا بأسلوب بسيط، أمثلة من الحياة اليومية، وأسئلة كتبها عمر لنفسه، بعضها بلا إجابة، كأنها وُضعت لتُنضج التفكير لا لتُنهيه.


سأله الأستاذ هذه المرة بصوت خافت:– من علّمك أن تدرس هكذا؟أجاب عمر دون تردد:– أبي… كان يقول لي دائمًا: العلم الذي لا يغيّرك، مجرد أوراق.


مرت 
السنوات و كبر عمر. لم يصبح اسمًا لامعًا، ولا صاحب منصب يُشار إليه. لكنه صار معلّمًا… من أولئك الذين لا يسألون: «هل كتبت؟» بل يسألون: «ماذا فهمت؟»

 


وفي أول يوم له في القسم، وضع على مكتبه دفترًا أزرق جديدًا، وكتب على غلافه:

هذا ليس دفترًا… هذا محاولة للفهم.


حميد الع.


تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق