بعض الذكريات الصغيرة تبقى في الذاكرة أكثر من الأحداث الكبيرة.
هذه قصة صباح في السوق، حين اكتشفت للمرة الأولى أن الصفر… يمكن أن يكون لذيذًا.
في ذلك الصباح، قال أبي شيئًا لم أفهمه جيدًا.
أمسك بيدي وقال وهو يبتسم:
«اليوم سترى صفرًا يمكن أكله».
ظننت أنه يمزح.
الصفر في المدرسة يعني لا شيء… فكيف يمكن لشيء لا شيء أن يؤكل؟
سرت خلفه نحو السوق، وأنا أفكر في كلامه.
كان السوق صاخبًا كعادته: أصوات الباعة تتشابك، صرير العربات يمر بين الأزقة، والدجاج يصرخ كأنه يحتج على شيء لا نفهمه.
لكنني لم أكن أسمع كل ذلك جيدًا.
كنت أفكر في سؤال واحد:
كيف يمكن للصفر أن يُؤكل؟
فجأة توقف أبي.
نظرت أمامي…
ورأيت المشهد الذي كان يقصده.
رجل يقف أمام مقلاة كبيرة يغلي فيها الزيت كأنه بحر غاضب.
بيده عصا طويلة يرفع بها دوائر من عجين، يقلبها بسرعة داخل الزيت. كانت تدور ببطء، مثل أقمار صغيرة تسبح في نار.
دوائر كاملة…
أصفار حقيقية.
كلما دارت في الزيت تغير لونها:
من شاحب، إلى ذهبي، إلى لون يشبه الشمس حين تقترب من الغروب.
لم أفهم كيف يمكن لرقم أن يتحول إلى طعام.
سألت أبي وأنا لا أزال أحدق في المقلاة:
— «هل هذا خبز أم لعبة؟»
ضحك وقال:
«هذا خبز يعرفه الكبار… وستعرفه اليوم».
أخرج الرجل إحدى الدوائر من الزيت.
كانت تتنفس بخارًا خفيفًا، وتقطر زيتًا يلمع تحت الضوء.
ناولني قطعة صغيرة وحذرني من حرارتها.
عضضت بحذر…
ثم نسيت الحذر.
كان مقرمشًا، يتهشم بين الأسنان، خفيفًا كأنه هواء له طعم.
لم يكن يشبه خبز البيت، ولا خبز الدكان.
كان شيئًا آخر…
شيئًا يولد في الزيت ثم يختفي في الفم.
في طريق العودة ظل الصفر يدور في رأسي كما دار في المقلاة.
كيف صار الفراغ طعمًا؟
وكيف يمكن لشيء بسيط أن يبدو معجزة؟
عند العصر، اجتمع أصدقائي قرب الحائط القديم.
كانوا يتحدثون عن كرة ضاعت وشجار صغير، لكنني قاطعتهم بفخر من اكتشف سرًا.
قلت لهم:
«اليوم رأيت صفرًا يُؤكل».
ضحكوا.
قلت:
«ليس صفر الدفاتر… صفر حقيقي، يُقلى في الزيت ويخرج ذهبيًا، مقرمشًا، لذيذًا».
حاولت أن أشرح لهم شكل النار، وصوت الزيت، والرائحة التي تملأ المكان.
فتحت ذراعي ورسمت دائرة في الهواء، لكن الكلمات كانت أضيق من التجربة.
في تلك الليلة، قبل أن أنام، فهمت شيئًا صغيرًا.
السوق ليس مكانًا للبيع فقط.
إنه المكان الذي ترى فيه الأشياء لأول مرة…
وتكتشف أن الصفر… ليس دائمًا لا شيء.
حميد الع.

مرحلة الطفولة احسن مرحلة في عمر الانسان
ردحذفانها تذكرني بطفولتي
ردحذف