القائمة الرئيسية

الصفحات

 



لم يبدأ كل شيء كما تبدأ الكوارث عادة.

لا صوت، لا فوضى، لا علامة إنذار واحدة.

بدأ بورقة بيضاء.


كانت موضوعة بعناية على طرف مكتبه الخشبي، كأنها كانت هناك منذ زمن، تنتظره فقط ليفتح عينيه. لا خطوط، لا طيّات، لا أثر ليد بشرية. ورقة نقية… مقلقة في نقائها.


اقترب منها بحذر، فلاحظ سطرًا واحدًا كُتب بحبرٍ داكن:

"ابدأ من الصفر."

ضحك في سرّه.


هو الذي أمضى عمره يرمّم ما تكسّر، ويكتب عن نهايات الآخرين، كيف يُطلب منه أن يبدأ؟

في ذلك اليوم، تجاهل الورقة.
لكنها لم تتجاهله.


في اليوم التالي، وجدها في جيب معطفه، رغم أنه لم يخرج به من المنزل.
في اليوم الثالث، ظهرت الجملة نفسها على شاشة هاتفه، بلا إشعار، بلا تطبيق مفتوح.
وفي اليوم الرابع… بدأ الخلل الحقيقي.


لاحظ أن ساعة الحائط تأخرت خمس دقائق. ظنّها مصادفة.
لكن المصادفات بدأت تتكاثر.


ندبة قديمة في يده اليسرى، رافقته منذ الطفولة، اختفت فجأة.
صورة له معلّقة على الجدار تغيّرت ملامحها، كأنها تعود لشخص يشبهه… لا هو.

كان يشعر بشيء يُسحب منه، بهدوء مخيف، دون ألم.

ليس جسده، بل تعريفه بنفسه.


مع كل صباح، يستيقظ أخفّ.
ذكريات أقل.
تفاصيل ناقصة.


وفي اليوم السابع، حين حاول أن يكتب اسمه… لم يتذكره.

توقّف طويلًا أمام الورقة.
لأول مرة، لم يبدُ السطر تهديدًا، بل تعليمات.


خرج إلى الشارع هاربًا من الغرفة.
واجهات المحلات عكست كل شيء: السيارات، الناس، السماء… إلا وجهه.
كان يظهر للحظة ثم يتبدّل، كأن المرآة لا تعرف أي نسخة تختار.


عند المساء، عاد مرهقًا.
الورقة لم تعد بيضاء.


امتلأت بتواريخ.
ليست تواريخ من الماضي، بل أيام لم تأتِ بعد. فهم متأخرًا:
ما يحدث ليس رجوعًا، بل إعادة ضبط.


العالم لا يعاقبه، بل يعيد كتابته، يحذف الزوائد، يكسر النسخ الفاشلة، بحثًا عن نسخة واحدة فقط… صالحة للاستمرار.

في آخر ليلة، جلس بهدوء لم يعرفه من قبل.
لم يعد يقاوم.


أمسك القلم، ونظر إلى الورقة، وكتب سطرًا واحدًا بخط ثابت:

"هذه النسخة جاهزة."


في اللحظة التالية، اختفى القلم.
اختفت الغرفة.
اختفى السؤال.

وبدأ كل شيء…
من الصفر.


حميد الع.


تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق