القائمة الرئيسية

الصفحات


الرجال وصمت المسؤولية: قصة قصيرة عن القوة التي لا يراها أحد


مقدمة:


في الأزقة القديمة للمدينة، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت الخطوات المتعبة بعد يوم طويل، يجلس الرجال غالبًا في صمتٍ يبدو للآخرين عاديًا.

 لكن خلف ذلك الصمت قصصٌ لا تُقال، ووجوهٌ تعلّمت كيف تخفي تعبها.

 ليست كل المعارك تُرى، وبعضها يحدث داخل صدر الرجل دون شاهد. 

هذه الحكاية ليست عن بطولةٍ خارقة، بل عن ذلك الحمل الصامت الذي يعرفه الرجال جيدًا… حتى لو لم يتحدثوا عنه أبدًا.


القصة:

في مساءٍ بارد من أمسيات الشتاء، جلس أيوب على الكرسي الخشبي في زاوية المقهى الصغير. كان المكان شبه فارغ، سوى صوت ملعقة تضرب حافة كوب شايٍ في الطاولة المجاورة.

أخرج هاتفه، فتح الرسائل، ثم أغلقه مرة أخرى. لم يكن يعرف ماذا يكتب.

قبل ساعات فقط، خرج من عمله بعد أن أخبره المدير ببرودٍ أن الشركة تمر بظروف صعبة، وأن اسمه كان ضمن قائمة "التقليص".
كلمة صغيرة… لكنها تسقط على القلب كحجر.

مشى أيوب طويلًا قبل أن يصل إلى المقهى. لم يشأ أن يعود إلى البيت مباشرة.
هناك زوجته التي اعتادت أن تسأله:
"كيف كان يومك؟"
وهناك ابنه الصغير الذي يركض نحوه كل مساء صارخًا:
"بابا!"

فكر للحظة:
هل يخبرهم بالحقيقة؟
أم يؤجلها يومًا آخر؟

رفع رأسه نحو المرآة المعلقة على الجدار.
رأى وجه رجلٍ يبدو هادئًا، لكن عينيه كانتا متعبتين بطريقة لا تراها الصور.

تذكر والده.
كان يقول له دائمًا:
"الرجل يا بني، ليس من لا يسقط… بل من يسقط بصمت ثم يقف."

ابتسم أيوب ابتسامة خفيفة، ليست سعادة… بل اعتراف بشيء قديم يعرفه الرجال.

أنهى كأس الشاي، دفع الحساب، وخرج إلى الشارع.

كانت الأنوار الصفراء تنعكس على الأرض المبللة بالمطر.
تنفس بعمق، ثم سار نحو البيت.

فتح الباب.

ركض الطفل نحوه فورًا واحتضنه.
ضحك أيوب، تلك الضحكة التي يعرفها الآباء جيدًا، ضحكة تُخفي أشياء كثيرة.

قالت زوجته من المطبخ:
"تأخرت اليوم."

رد بهدوء:
"كان يومًا طويلًا فقط."

جلس مع ابنه يساعده في واجباته المدرسية.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، أدرك شيئًا بسيطًا لكنه ثقيل المعنى:

ليس كل الرجال أقوياء…
لكن كثيرًا منهم يواصلون الوقوف فقط لأن هناك من يعتمد عليهم.


النهاية:

في تلك الليلة، بعد أن نام الجميع، جلس أيوب وحده في غرفة الجلوس.
فتح هاتفه مرة أخرى… وبدأ يبحث عن عمل.

لم يكن يملك خطة واضحة، ولا ضمانًا للغد.

لكن شيئًا واحدًا كان يعرفه جيدًا:

الرجال لا يُقاسون بعدد انتصاراتهم…
بل بعدد المرات التي بدأوا فيها من جديد دون أن يلاحظ أحد.

ولهذا السبب تحديدًا…
بعض القصص تُكتب للرجال فقط.

حميد الع.

تعليقات