لم يكن أصعب ما في القصة أنهم كانوا فقراء…بل أن العيد جاء متأخرًا جدًا.
في الصباحات التي لا تُحصى، كان الناس يرون ثلاثة أطفال يتوزعون بين الشوارع والأزقة كأنهم جزء من حجارتها.
الكبير، لم يتجاوز التاسعة، يحمل في عينيه ما لا تحمله أعمار، وفي يده عربة صدئة يجمع بها بقايا الكرتون والزجاج.
خلفه، أخوان أصغر، يتناوبان الجوع والصمت، ويبتسمان كلما التفت إليهما كأنهما يطمئنانه أنهما بخير، ولو لم يكونا كذلك.
منذ ذلك اليوم الذي انهار فيه بيتهم القديم على مشارف النهر، لم يبقَ لهم من الأب سوى اسمٍ يتردد في الذاكرة.
كان الأطفال في المدرسة حينها، وحين عادوا لم يجدوا سوى غبار، ونهرٍ ابتلع الجدار الأخير كما تُبتلع الدموع سريعًا.
بعدها، لم يعد الكبير طفلًا، بل صار سقفًا ويدًا وقلبًا.
كان العيد يقترب. الأحياء تزدهي بالملابس الجديدة، والضحكات تتقافز من النوافذ.
أما هو، فكان يحسب القطع النقدية كل مساء، يخفيها في جيبٍ مثقوب، ويبتسم لفكرةٍ صغيرة: حذاءان جديدان لأخويه، لا له. كان يتخيل فرحتهما أكثر مما يتخيل فرحته هو.
في صباح العيد، تركهما نائمين، وخرج مبكرًا. عاد قبل الظهيرة يحمل كيسًا صغيرًا، ووجهه مغسول بتعبٍ لذيذ. دخل الغرفة الضيقة، ناداهم. لم يجيباه.
اقترب أكثر. كانا مستلقيين جنبًا إلى جنب، هادئين على غير العادة. لم يتحركا.
لم يحتج الأمر إلى صراخ. فهم كل شيء من برودة اليدين.
في المساء، حين تجمع الناس، وجدوا في جيب أحد الصغيرين ورقة مطوية بعناية، كُتب فيها بخطٍ طفولي متعثر:
«أخونا لا يملك حذاءً. نحن اعتدنا المشي حُفاة.»
كان الكبير جالسًا عند الباب، يحدّق في الحذاءين الجديدين الموضوعين جانبًا، لم يلبسهما أحد. لم يبكِ. فقط مدّ يده ولمس الورقة، كأنها آخر سقفٍ لم ينهَر بعد.
حميد الع.

ما هذه الروعة يالها من قصة 👏👏👏
ردحذف