القائمة الرئيسية

الصفحات

 




لم أكن أدرك وأنا طفل أن المطر يمكن أن يصبح ذكرى،
ولا أن رائحته قد تغيب حتى ينسى الإنسان شكل الحنين نفسه.


في شتاءات طفولتي، كان المطر يأتي بلا استئذان.
ينهمر دفعة واحدة، قويًا، صادقًا، يطرق الأسطح ويملأ الأزقة الصغيرة التي لم تكن تعرف الإسفلت بعد. 

كنت أراقبه من نافذة البيت، أعدّ القطرات كما لو أنها لا تنتهي، بينما أبي يجمع أعواد الخشب التي جففها الصيف، ويكدّسها قرب الموقد.


كان لون الفحم عند الاشتعال مشهدًا لا يُنسى؛
أسود يتحوّل إلى جمرة حمراء، ثم إلى نورٍ خافت يدفئ الغرفة قبل الأجساد.
كنا نلتف حول النار، أمي تحكي، وأبي يصغي، ونحن نكبر دقائق قليلة مع كل شرارة.


الخارج بارد، قاسٍ، لكن الداخل… عالم آخر، لا يعرف الجفاف.

ثم كبرت.

كبرنا جميعًا، لكن الشتاء لم يكبر معنا.
انسحب بهدوء، سنة بعد أخرى، حتى أصبح المطر خبرًا نادرًا، يُتداول بقلق بدل الفرح.
طال الجفاف، ونسينا رائحة الأرض بعد البلل، وتحوّل الفحم إلى صورة قديمة في الذاكرة، لا إلى شيء نلمسه بأيدينا.


أصبحتُ أبًا في زمنٍ جاف.
أطفالي يعرفون الشتاء من الكتب، لا من النوافذ.


يسألونني عن المطر كما يُسأل عن شيءٍ أسطوري:
هل كان حقًا ينزل من السماء؟
هل كانت الأرض تبتسم؟


كنت أجيب، لكن كلماتي كانت أضعف من الذكريات.

حتى جاء ذلك اليوم.


لم يبدأ بعاصفة، بل بصوت خافت، يشبه تردّد القلب قبل الفرح.
قطرة… ثم أخرى.
رفعت رأسي، وفتحت النافذة، فغسلت وجهي رائحة كنت أظنها ماتت.


المطر عاد.

عاد كما كان، غزيرًا، كريمًا، لا يحسب حساب السنوات التي غاب فيها.
الأرض شربت بشراهة، والسماء لم تبخل.


نظرت إلى أطفالي وهم يركضون نحو النافذة، عيونهم تتسع دهشةً، كما كانت عيناي قديمًا.

أشعلت النار.


لم تكن قوية، ولا مثالية، لكن لون الفحم وهو يشتعل أعاد ترتيب الزمن.
جلستُ بينهم، أحكي… لا عن الماضي فقط، بل عن الغياب، عن الجفاف، عن صبر الأرض.


في تلك اللحظة، فهمت.
الشتاء لا يعود ليُدفئ الأجساد فقط،
بل ليغسل الذاكرة،
ويذكّر الإنسان أن بعض الفصول، مهما طال غيابها، تعرف الطريق إلى الرجوع.


وأن ما عشناه نحن أطفالًا،
قد يُعاد…
إذا صبر الزمن طويلًا بما يكفي.


.حميد الع


تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق