القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: اللايك الحقيقي: قصة عن ملل الهواتف وواقعية الحياة اليومية

 


كان القطار يئن تحت وطأة الساعة السادسة صباحًا، وهو يلتف عبر الضواحي المتعبة للمدينة كأنه ينقل أكثر من مسافرين — ينقل عاداتٍ جديدة قد تأصلت في حياة الناس.


في المقعد المقابل جلست نورا، ممسكة بهاتفها الذكي كما يمسك المرء بحبل النجاة: لا تتحرّك إلا بعد تمرير إصبعها على الشاشة، تمريرٌ سريع، متكرر، لا نهاية له. 

حولها قلوبٌ حمراء، ولايكاتٌ وصدى ساعات من الفيديوهات القصيرة التي تلتهم الوقت بلا رحمة.


على المقعد المجاور، كان ياسين يضحك، ليس لأن شيئًا جميلًا حدث، بل لأنه تلقّى إشعارًا: فلان أعاد نشر ما شاركته.
هو لا يعرف فلان. وفلان لا يعرفه. لكن ذلك الإشعار كان كفاية لإطلاق موجة قصيرة من السعادة.


تحت أقدامهم كان القطار ينطلق نحو محطة جديدة، وفي كل محطة يتكرر المشهد — راكب يحدّق في شاشة، آخر يضع سماعات الأذن ويتراجع عن الحاضر، وثالث يلتقط صورة للمشهد من نافذة القطار كأنه يريد أن يبيّع تلك اللحظة في سوق اللايكات والقلوب.


نورا رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى ياسين، ثم إلى النافذة، حيث ضوء الشمس يتسلّل عبر الزجاج ويعكس صورًا من الأشجار المتهاوية في الربيع. توقّف ياسين عن الضحك للحظة، ثم قال بنبرة هادئة غير معتادة:
—
أتساءل… هل هذا هو الواقع؟ أم مجرد إطار نشر آخر؟

كان سؤالًا بسيطًا، لكنّه أثار صدى في قلب نورا. 


من بعيد، يمكن أن ترى أقدام الناس تتمايل في القطار، أصوات المحادثات مختلطة، ضحكات وأحاديث، لكن كل هذا كان في الخلفية — لا أحد يعيش اللحظة فعليًا، بل كلهم منشغلون بتسجيلها ونشرها.


نورا دفعت هاتفها جانبًا، لأول مرة منذ نصف ساعة. كانت تشعر بنوع من الملل العميق — ذلك الملل الذي يولد من التجربة نفسها لا من غياب الإثارة الفعلية. 


لم تكن بحاجة إلى إشعار جديد، ولا إلى قلب آخر، ولا إلى ملاحظة عبر الدردشة… بل كانت بحاجة إلى أن تشعر بواقعها الحقيقي: صوت القطار، رائحة الشاي الساخن الذي تباع في العربات، همسات الناس الذين يتحدثون إلى بعضهم من دون ملل.


ابتسمت لنفسها، ثم نظرت إلى ياسين وقالت له:
—
لنضع اللايك الحقيقي للحظة الواقعية…
ثم أضافت بوضوح عميق:
—
القلب قبل الوجه.


كان هذا أكثر من تفاعل رقمي. كان قرارًا بإعادة الاهتمام إلى ما هو حيّ، إلى ما هو واقعي، إلى ما لا تحتاج فيه لحضور الافتراضات الرقمية لتحقق المتعة.


نظرت في وجوه الركاب من حولها، فرأى البعض ما في عينيها، فبدأ آخرون يخفّفون من تمريرهم على الشاشات، وأغمض بعضهم عيونهم، كأنهم يستعيدون لحظة نسيها الزمن الرقمي: لحظة واقعية.


.حميد الع

 



تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق