القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: قصة قصيرة مؤثرة: بيت النمل الذي غير نظرتي للحياة.



في صباحٍ عادي، دهستُ مدينةً كاملة… دون أن أشعر.


لم يكن الأمر يستحق انتباهي في البداية. مجرد نملٍ يتسلل من شقٍ ضيق قرب باب البيت، يحمل فتات الخبز كأنّه يسرق ما تبقّى من عالمنا.


كنتُ أراقبه أحيانًا، لا بدافع الفضول، بل بدافع الضجر.


لكن في ذلك اليوم، انحنيتُ أكثر من اللازم.
رأيتُ صفوفًا لا تختلّ، حركةً لا تتوقف، نظامًا يُخجل فوضانا. نملةٌ تحمل ضعف وزنها، وأخرى تقود الطريق، وثالثة تعود فارغة… لا هزيمة في عودتها، بل مهمة أخرى تنتظرها.


تساءلتُ، ساخرًا:"ألهذا الحدّ تأخذون الحياة بجدية؟"
ضحكتُ… ثم سكبتُ الماء.
لحظة واحدة فقط…وانتهى كل شيء.


تفرّق الجيش، غرق البعض، وتاه الباقي. ظننتُ أنني أنهيتُ المشكلة.
أغلقتُ الباب، ومضيتُ إلى يومي كأن شيئًا لم يكن.


لكن في اليوم التالي… عادوا.
من نفس الشق، بنفس النظام، وكأن شيئًا لم يحدث. توقفتُ طويلًا هذه المرة. لم يكن هذا مجرد نمل… كان إصرارًا صامتًا يُعيد بناء نفسه دون ضجيج.


اقتربتُ أكثر… أكثر مما ينبغي.

لاحظتُ نملةً صغيرة، تقف عند الحافة، لا تحمل شيئًا. كانت تلمس الأرض بقرونها، كأنها تبحث عن أثرٍ ما… ربما أثر من فقدتهم بالأمس.


لأول مرة… شعرتُ بشيء يشبه الذنب.
مددتُ إصبعي… لا لأسحق، بل لأُبعد قطعة خشب كانت تعيق طريقهم.

مرّت النملة من المكان الذي أفسحتُه لها، وتبعتها أخرى… ثم صفٌ كامل. لم تتوقف، لم تشكر، لم تلتفت. فقط… واصلت.
حينها أدركتُ شيئًا لم أكن مستعدًا له:
أنا لستُ مركز هذا العالم.
نحن، ببساطة، كائناتٌ كبيرة… تمرّ فوق قصصٍ صغيرة دون أن تراها.

في المساء، كنتُ جالسًا مع عائلتي، نتجادل حول أمورٍ تافهة. ارتفعت الأصوات، وكأن كل واحدٍ فينا يريد أن يكون "الأهم".


وفجأة… تذكرتُ بيت النمل.
ذلك البيت الذي لا يُرى، لكنه لا ينهار. تلك الكائنات التي لا تتكلم، لكنها تفهم دورها جيدًا.

نظرتُ إليهم، ثم إلى نفسي، وتساءلتُ:كيف لمخلوقاتٍ بحجم ذرّة أن تعيش بهذا الانسجام…ونحن، بكل هذا الضجيج، نعجز؟

في اليوم التالي، لم أسكب الماء. وضعتُ قطعة سكر قرب الشق… وابتعدت.
لم أفعلها رحمةً بهم…بل احترامًا لشيءٍ لم أكن أراه من قبل:
بيتٌ لا يُرى…لكنه يعلّم أكثر مما نقول.


حميد الع.



تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. أنت تقصد بيت لا يرى بضم الياء الأولى لأن بيت النمل صغيرة جدا الى درجة أننا لا نراه حتى ندوس عليه

    ردحذف

إرسال تعليق