القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: صديقي الذي كان ينام في القسم

 


في قسمنا، لم يكن الفشل هو المشكلة…بل كان النوم.
ليس نوم التعب، ولا نوم الملل…بل نومٌ كنا نظنه كسلًا، واكتشفنا متأخرين أنه كان صرخة صامتة.



كنا نضحك عليه كل يوم…وهو كان يقاوم الحياة كل ليلة.
لم نكن نعلم أننا، ونحن نضحك، كنا أقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب…حتى جاء اليوم الذي استيقظ فيه الجميع… إلا ضمائرنا.



لم يكن في قسمنا ما يلفت الانتباه… سوى "سعيد".
سعيد لم يكن الأول في الدراسة، ولا الأخير… بل كان شيئًا مختلفًا تمامًا:كان النائم الرسمي للقسم.


نعم، لدينا سبورة، وأستاذ، ودفاتر… ولدينا سعيد، الذي يؤدي مهمة النوم بإخلاص لا ينافسه فيها أحد.



في أول يوم دراسي، دخل الأستاذ بحماس، بدأ يشرح وكأنه يخوض معركة حاسمة مع الجهل، بينما كان سعيد… قد حسم معركته الخاصة مع النوم منذ الدقيقة الثالثة.


رأسه على الطاولة، فمه مفتوح قليلاً، وصوت شخيره يتسلل بين الكلمات كتعليق ساخر على الدرس.


همس لي صديقي:– "واش هذا كيتنفس ولا كيشرح بطريقة أخرى؟"
ضحكنا بصمت، بينما الأستاذ التفت فجأة وقال:– "سعيد! ما رأيك فيما قلت؟"
رفع سعيد رأسه ببطء، نظر حوله كمن عاد من سفر طويل، ثم قال بثقة:– "أنا معك أستاذ!"


انفجر القسم ضحكًا… حتى الأستاذ نفسه لم يتمالك ابتسامته.



مرت الأيام، وسعيد على حاله:ينام في الرياضيات، في التاريخ، في الفلسفة… وكأنه يسافر بين العصور وهو مغمض العينين.


لكن الغريب… أنه لم يكن غبيًا.
ذات مرة، جاء امتحان مفاجئ.استيقظ سعيد، حكّ رأسه، وبدأ يكتب.


كنا نظنه يرسم أو يكتب أحلامه… لكن النتائج كانت صادمة.
حصل على نقطة أعلى من نصف القسم!
اقتربت منه بعد الحصة وقلت:– "صراحة، واش كتقرا فالليل؟"


ابتسم وقال بهدوء:– "كنسمع مزيان… حتى وأنا ناعس."
توقفت عند تلك الجملة.


في يوم من الأيام، غاب سعيد.
غاب الصوت الذي كنا نسخر منه، وغابت تلك اللحظات التي كنا نضحك فيها.

شعر القسم بفراغ غريب… كأن النوم نفسه انسحب من المكان.
عاد بعد أسبوع، بوجه متعب لكن بعينين يقظتين.


سألناه:– "فين كنتي؟"
قال ببساطة:– "كنت كنعاون الوالد فالليل… وخاصني نقرا ونخدم… والنوم كيغلبني فالقسم."
سكتنا جميعًا.
لأول مرة… لم نضحك.

منذ ذلك اليوم، تغير شيء فينا.
لم نعد نرى سعيد كشخص كسول… بل كشخص يقاتل بطريقته.



صار الأستاذ يخفف عليه، وصار بعضنا يشرح له الدروس، وصار هو… يحاول أن يبقى مستيقظًا، ولو للحظات.
وفي نهاية السنة، لم يكن الأول… لكنه لم يكن النائم أيضًا.
كان… إنسانًا يحاول.


آخر مرة رأيت فيها سعيد، لم يكن نائمًا.
كان يبتسم…وكأنه أخيرًا استيقظ، ليس من النوم… بل من نظرتنا الخاطئة له.


العبرة

قد تضحك من شخص اليوم… ثم تكتشف غدًا أنك كنت تجهل معركته.
تعلمنا من سعيد أن:
الإنسان أعمق مما يبدو.
وأن الإرادة… قد تبدأ حتى من غفوة.


حميد الع.



تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق