القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: ابنتي الفوضوية… لكن بطريقتها

 


لم تكن المشكلة في الفوضى…بل في الصمت الذي يتركه الأب عندما يقف على باب غرفة ابنته، ينظر، ثم يغلق الباب دون أن يقول شيئًا.


كانت غرفتها تشبه صباحًا لم يكتمل:

ملابس متناثرة، ألعاب بلا ترتيب، دفتر مفتوح على نصف فكرة، وقلم وردي مرمي كأنه سقط من حلم.نعم… الوردي.كل شيء عندها كان ورديًا… إلا غرفتها.


كنتُ أراقبها بصمت، أحيانًا أغضب، وأحيانًا أستسلم.كيف لطفلة تعشق الجمال بهذا الشكل، أن تعيش وسط هذا القدر من الفوضى؟
لكنني، في مساءٍ عادي، قررت أن لا أتكلم… بل أن أفهم.

دخلت غرفتها دون إنذار، فارتبكت، وبدأت تجمع الأشياء بسرعة، وكأنها تُخفي سرًا لا فوضى.قلت لها بهدوء:

– "اتركيها… لا ترتّبي."

نظرت إليّ باستغراب، وجلست على طرف سريرها الوردي الصغير.
سألتها:

– "لماذا لا تحبين ترتيب غرفتك؟"
ترددت… ثم قالت بصوت خافت:

– "لأنني حين أرتبها… لا أجد أشيائي."


ثم أضافت، وهي تنظر إلى الأرض:

–"هكذا أعرف أين كل شيء… حتى لو كان مبعثرًا."


في تلك اللحظة، أدركت ما لم أدركه من قبل. نحن لا نرى الفوضى كما يراها الأطفال…بالنسبة لهم، هي نظامهم الخاص، طريقتهم في فهم العالم.فالعقل الصغير لا يفكر كما نفكر نحن، بل يحتاج إلى طرق أبسط وأقرب إليه، وإلا شعر بالضياع .


ابتسمتُ… ليس لأنني اقتنعت بالفوضى، بل لأنني فهمتُها.
في اليوم التالي، لم أطلب منها أن تنظف غرفتها. بل جلستُ معها… وقلنا :

"لنخترع نظامًا يشبهك."


صندوق وردي للألعاب.سلة وردية للملابس.رف صغير للدفاتر.
جعلنا كل شيء بسيطًا… قريبًا… سهلًا. فالأطفال لا يحتاجون إلى أوامر معقدة، بل إلى بيئة تجعل الترتيب أسهل من الفوضى نفسها .


مرّت أيام… ثم أسابيع.
وفي أحد الأيام، عدت إلى البيت…وفتحت باب غرفتها.
لم تكن مثالية.لم تكن مرتبة كما أحب.لكنها كانت… محاولتها.


الألعاب في مكان، والدفاتر فوق بعضها، والسرير… نصف مرتب.لكن في وسط الغرفة، كانت تقف… تنظر إليّ، تنتظر حكمي.


اقتربتُ منها، وجلست على ركبتي، وقلت:

– "غرفتك جميلة… لأنها تشبهك."


ابتسمت.ابتسامة لم تكن وردية… بل صادقة.
في تلك اللحظة، فهمت شيئًا مهمًا: نحن لا نربي أبناءنا ليكونوا نسخًا مرتبة منّا…بل لنساعدهم أن يجدوا طريقتهم الخاصة في ترتيب الحياة.


ومنذ ذلك اليوم…لم تعد غرفتها تزعجني كما كانت.
لأنني حين أنظر إليها…لا أرى فوضى.
أرى طفلة…تحاول أن تكبر، بطريقتها…الوردية.


حميد الع.














تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  1. كلام معقول وصحيح فعلا فالوالدين يحاولون صناعة الابناء ولا تربيتهم للأسف الشديد؟؟؟؟؟؟!!!!!

    ردحذف

إرسال تعليق