القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: قصة مرعبة في المقبرة القديمة

 






في أطراف البلدة، خلف بساتين الزيتون والطريق الحجري المهجور، كانت تقع المقبرة القديمة. 

مكان نسيه الناس إلا في الحكايات، حيث القبور المتآكلة، والأشجار اليابسة، وسور حجري تصدّع من الزمن.



كان أهل البلدة يتجنبون المرور قربها بعد المغرب، ويقولون إن من يسمع اسمه يُنادى من داخلها لا يجب أن يجيب مهما حدث.


كنت أضحك من تلك القصص، حتى قال لي صديقي بشير ذات ليلة:

إن كنت لا تؤمن بشيء... اذهب الليلة إلى المقبرة القديمة.

قبلت التحدي، مدفوعًا بالفضول أكثر من الشجاعة.


الدخول إلى المقبرة القديمة


وصلت قبيل منتصف الليل. السماء ملبدة بالغيوم، والقمر يظهر ثم يختفي خلفها كعين تراقب من بعيد.

دفعت باب المقبرة الحديدي، فأصدر صريرًا حادًا اخترق السكون.

دخلت.

كان الهواء أبرد من خارجه بدرجات، ورائحة التراب الرطب تختلط بشيء قديم لا يمكن وصفه. 

صفوف القبور تمتد في الظلام، وبعض الشواهد مائلة كأنها توشك أن تسقط.

سلطت ضوء المصباح أمامي، فرأيت آثار أقدام حديثة فوق التراب.

شعرت بانقباض في صدري.

لم أكن وحدي.


النداء الأول


سرت بين القبور بحذر، أبحث عن مصدر الآثار، وفجأة سمعت صوتًا خافتًا خلفي:

حميد...

توقفت.

كان الصوت واضحًا، منخفضًا، قريبًا جدًا.

استدرت بسرعة، فلم أجد أحدًا.

قلت في نفسي إن الريح لعبت بعقلي، وتابعت السير.


ثم جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة من جهة اليمين:

حميد... لا تذهب بعيدًا.

تجمد الدم في عروقي.

ذلك الصوت كان صوت أمي.

لكن أمي نائمة في البيت.


القبر المفتوح


اتبعت الضوء المرتجف لمصباحي حتى وصلت إلى قبر في آخر المقبرة، ترابه مقلوب حديثًا، وكأن أحدهم نبشه قبل ساعات.


كانت شاهدة القبر مكسورة، لكن الاسم ما زال ظاهرًا:

 بشير بن...

اختفى باقي الاسم تحت التراب.

تراجعت خطوة، وهمست:

مستحيل...

في تلك اللحظة تحرك التراب من تلقاء نفسه.

ثم خرجت يد شاحبة من القبر.


الحقيقة المدفونة


سقط المصباح من يدي وتدحرج، لكنه ظل مضيئًا، كاشفًا المشهد.

خرجت اليد أكثر، ثم الذراع، ثم وجه مغطى بالتراب.

كان بشير.

عيناه مفتوحتان، وملامحه جامدة، وثيابه ممزقة كما لو دُفن بها.

قال بصوت أجش يشبه احتكاك الحجارة:

تأخرت كثيرًا.

تراجعت وأنا أرتجف.

قلت:  أنت حي؟!

ابتسم ابتسامة ميتة وقال:

أنا لم أمت وحدي.

ثم أشار خلفي.



استدرت ببطء.

كانت كل القبور من حولي تتحرك.

الأتربة تتشقق، والأيدي تخرج واحدة تلو الأخرى. رجال، نساء، أطفال، وجوههم شاحبة وعيونهم فارغة، لكنهم جميعًا يحدقون نحوي.

سمعت همسًا جماعيًا يرتفع من كل الجهات: وجدنا من يسمع... وجدنا من يجيب...

تذكرت فورًا وصية أهل البلدة: لا تُجب إذا ناداك أحد من داخل المقبرة.

لكنني أجبت منذ البداية.


النهاية الصادمة


ركضت بكل ما أملك نحو البوابة، والهمسات خلفي تتحول إلى خطوات ثقيلة فوق التراب.


وصلت إلى الباب، لكنه كان مغلقًا من الخارج بسلسلة لم تكن موجودة حين دخلت.

صرخت ودفعت الحديد بجنون.

ثم سمعت صوتًا قرب أذني:

بقي مكان واحد.

التفتُّ.

كان بشير يقف خلفي، وجهه أقرب من اللازم، ويده الباردة تمتد نحو كتفي.

في تلك اللحظة ارتفع أذان الفجر من بعيد.


اهتزت الأرض تحت قدمي، وتراجعت الأيدي إلى القبور، واختفى الهمس، وسقطت السلسلة من تلقاء نفسها.

خرجت أركض دون أن أنظر خلفي.


ما حدث بعد ذلك


في الصباح ذهبت إلى بيت بشير.

فتح لي رجل مسن، وعندما سألته عنه، تغير وجهه وقال:

بشير مات منذ خمسة عشر عامًا... ودُفن في المقبرة القديمة.

ثم أغلق الباب.

ومنذ تلك الليلة، كلما ناداني أحد باسمي من بعيد بعد المغرب... لا أجيب أبدًا.

وفي بعض الليالي، أسمع صوتًا تحت نافذتي يقول:

حميد... ما زال المكان فارغًا.



.حميد الع

 

 

 

 

 

 


تعليقات