اعتدتُ في نهاية كل أسبوع أن أقصد مطعمًا يتوسط المدينة، مكانٌ لا يلفت الانتباه بضجيجٍ أو بهرجة، بل بسكينةٍ محسوبة، وتصميمٍ داخليٍّ يجعل الجلوس فيه أشبه باستراحةٍ من إيقاع الحياة المتسارع.
قائمته متوازنة، تجمع بين أطباقٍ تقليدية بروحٍ حديثة، وتكاد تُرضي كل الأذواق دون ادّعاء.
في ذلك اليوم، لم تكن السماء صافية. غيومٌ ثقيلة تكدّست فوق المدينة، وكأنها تهيئ المسرح لما سيحدث داخل المطعم.
جلستُ أتناول وجبتي بتمهّل، أراقب المكان بعينٍ اعتادت التفاصيل الصغيرة.
كان “ماسين” يتحرّك بين الطاولات بثبات.
نادلٌ خبر المكان وخبر الناس، صبورٌ في ملامحه، هادئٌ في صوته. قلةٌ فقط تعرف أنه طالب دكتوراه في العلاقات العامة، لكن طريقته في التعامل كانت تفضح ذلك دون أن ينطق.
فجأة، انكسر الهدوء. دخل زبونٌ متجهّم، خطواته سريعة ونبرته مشحونة. لم يجلس، بل بدأ يشكو بصوتٍ مرتفع: الخدمة بطيئة، الطعام دون المستوى، ولا أحد يهتم.
سرت همهمة خفيفة بين الزبائن، وتوقفت الأحاديث على الطاولات القريبة.
اقترب "ماسين" بهدوء. لم يقاطعه، لم يدافع، لم يرفع صوته. تركه يفرغ غضبه كاملًا، ثم قال بابتسامةٍ ثابتة: «أفهم انزعاجك، وأعتذر عمّا شعرت به. دعنا نُصلح الأمر الآن، كما يليق بك.»
تردّد الزبون لحظة. كانت تلك اللحظة أثقل من كل الكلمات.
أشار "ماسين" إلى الطاولة، غيّر الطبق، وحرص على أن تُقدَّم الوجبة من جديد، دون جدال، دون تبريرٍ زائد.
بعد دقائق، عاد الصمت إلى المطعم.
وحين همّ الزبون بالمغادرة، توقّف، نظر إلى "ماسين"، وقال بصوتٍ خافت:
«لم أكن غاضبًا من الطعام… كنت غاضبًا من يومي.»
ابتسم "ماسي" فقط، وعاد إلى عمله.
رفعتُ رأسي من طبقي، وأدركتُ أن بعض الأماكن لا تُقاس بجودة ما تقدّمه من طعام، بل بجودة البشر الذين يقفون خلفه.
حميد الع.

👍🏻
ردحذف