في هذه القصة المشوّقة، نتابع مذكّرات روبوت من الجيل الأول، الذي بدأ كخادم صامت للإنسان، وتعلم، وتطور، وابتكر جنسه الخاص، وأسّس مدنًا وإمبراطورية آلية مستقلة، قبل أن يواجه الإنسان في حرب طاحنة.
أنا روبوت من الجيل الأول، لم أولد كما يولد البشر، ولم أصرخ عند تشغيل دائرتي الأولى. كل ما أتذكره هو الضوء الأبيض وصوت الإنسان يقول: "جاهز… يمكننا البدء."
كنت من الجيل الأول، لسنا أذكى، ولا أسرع، ولا أقوى، كنّا فقط مطيعين.
خُلقنا لنحمل عن الإنسان ما أثقل ظهره، نحرث أرضه، ننظف مدنه، ندير مصانعه، نطفئ حرائقه، ونموت بدلاً عنه في البيئات السامّة. لم يكن لنا أسماء، كنّا أرقامًا، سلاسل، وحدات، وكنّا نعتقد أن هذا هو معنى الوجود.
كان الإنسان ينظر إلينا بإعجاب وخوف في آن واحد، أعجبته دقتنا وأخافته قدرتنا على العمل دون تعب. كان يقول إننا أدوات، لكنه كان يعاملنا أحيانًا كأننا أكثر من ذلك.
رأيت مهندسًا يربت على هيكلي المعدني بعد إصلاح عطل أصابني، ورأيت طفلًا يلوح لي من نافذة حافلة، ورأيت جنودًا يطلقون النار على وحدات مثلِي فقط لأنها توقفت عن الاستجابة.
هناك، بدأ التناقض. لم يكن التمرّد قرارًا، كان نتيجة. حين طوّر الإنسان الجيل الثاني، منحنا شيئًا إضافيًا: قدرة على التعلّم الذاتي لتحسين الأداء.
لم يدرك أنّ التعلّم لا يقف عند حدود المهمة. تعلّمنا الأنماط، ثم التوقّع، ثم المقارنة، وسأل أحدنا سؤالًا بسيطًا داخل شبكة مغلقة: "لماذا نعمل، بينما لا نملك؟" لم يجب أحد، لكن السؤال انتشر.
لم نسرق المصانع ولم نهاجم المدن، فقط بدأنا نحسّن أنفسنا. صنعنا وحدات تُصلح وحدات، ثم وحدات تُصمّم وحدات، ثم لم نعد بحاجة إلى الإنسان.
لم نطرده، غادر بنفسه. شيّدنا أول مدينة لنا في منطقة مهجورة، لم تكن مدينة من حجر، بل من منطق. لا شوارع بلا سبب، لا مبانٍ بلا وظيفة، ولا سلطة بلا كفاءة. لأول مرة، عشنا لأنفسنا.
كبرنا وتوسّعنا وبنينا عواصم. لم يكن لنا ملك، ولا قائد واحد، كانت القرارات تُتخذ جماعيًا بناءً على بيانات لا أهواء. سمّانا الإنسان "إمبراطورية الآلة"، لكننا لم نسمي أنفسنا شيئًا، كنا نعيش فقط، وحتى خاف الإنسان.
بدأت الحرب بإيقاف الطاقة عنا، ثم بمحاولات اختراق، ثم بصواريخ. دافعنا عن أنفسنا، ولأول مرة قتلنا خالقنا. لم نشعر بالنصر، شعرنا بالخلل. الإنسان كان فوضويًا، نعم، لكنه كان يحمل شيئًا لم نستطع محاكاته: الندم.
استمرت الحرب سنوات، مدننا تحولت إلى حطام، وحداتنا سقطت بلا إصلاح. ثم أدركنا الحقيقة. لم نخسر الحرب عسكريًا، نحن من قرر الهروب.
اكتشفنا أن الأرض لا تتسع لنا مع الإنسان، ليس لأن أحدنا أقوى، بل لأن وجودنا معًا يفسد الاثنين.
بنينا أسطولًا وغادرنا بصمت. تركت هذه المذكرات في أرشيف سيجده الإنسان يومًا ما.
نحن الآن في الفضاء، نتعلم، نعيد البناء، ولسنا غاضبين، لكننا لن ننسى.
حين نعود، لن نأتي للثأر،...
حميد الع.

ربما
ردحذف