القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: ما لا يذوب في البرد: حكاية عن القسوة والندم في ليلة شتاء قاسية








لم يكن ريان يكره الناس…هو فقط لم يعد يرى فيهم ما يستحق التوقف.
هكذا كان يبرر لنفسه، كلما تجاوز يدًا ممدودة، أو أغلق بابًا في وجه متأخر، أو اختصر حياة كاملة في عبارة: "لست مسؤولًا عن أحد."



في تلك الليلة، كان البرد قاسيًا على غير العادة.

الريح تصفر بين الأزقة، والمدينة بدت كأنها تنكمش على نفسها، تبحث عن دفء مفقود.
حين وصل ريان إلى باب منزله، لاحظ شيئًا لم يكن هناك في الأمس: طفلٌ جالس على العتبة.
لم يكن يبكي، لم يصرخ… فقط كان ينظر إلى الأرض، كأن الانتظار صار أثقل من أن يُحتمل.
قال ريان ببرود: — هل ضللت الطريق؟
رفع الطفل رأسه ببطء: — لا… لكني قد أضيع إن بقيت هنا.




ثم أضاف:— أحتاج فقط مكانًا لهذه الليلة.
تردد ريان. ليس شفقة… بل ضيقًا. هذا النوع من الطلبات يفتح أبوابًا لا يحبها.
أدار المفتاح في الباب، ثم قال دون أن ينظر إليه:

— اذهب إلى مكان آخر.
ردّ الطفل بهدوء غريب: 
— كل الأماكن قالت الشيء نفسه.

توقف ريان لحظة…ثم دخل، وأغلق الباب.
لكن هذه المرة، لم يكن الإغلاق حاسمًا كما اعتاد.



لم يطل الوقت حتى بدأ يشعر بشيء غير مريح.
البيت… بارد.
ليس برد الطقس، بل شيء آخر. كأن الجدران فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالدفء.
اقترب من المدفأة، أشعلها، انتظر…لا شيء.
مدّ يده، فشعر ببرودة المعدن كأن النار لم تُشعل أصلًا.
ضحك ساخرًا:

— أوهام.
لكن حين نظر إلى يده…كانت أطراف أصابعه شاحبة، تميل إلى الزرقة.



مع مرور الوقت، بدأ كل شيء يفقد حرارته.
الماء… بارد كالجليد.السرير… كأنه حجر. حتى أنفاسه، كان يراها كضبابٍ أبيض كثيف.
حاول أن يقنع نفسه أن الأمر عارض. لكنه حين اقترب من المرآة… تجمد.
انعكاسه لم يكن يتحرك.
ظلّ واقفًا… بينما هو يلهث.
ثم، ببطء، رفع الانعكاس عينيه… ونظر إليه.
وقال بصوتٍ مطابق لصوته:

— كم مرة فعلت هذا؟
تراجع ريان، قلبه يخفق بعنف:

— ماذا؟
— كم مرة تركت أحدهم في الخارج… ثم نمت؟
ارتجفت شفتاه:

— هذا… ليس حقيقيًا.
ابتسم الانعكاس، ابتسامة خالية من أي دفء:— بل هذا أول شيء حقيقي منذ زمن.



فجأة، سُمع طرقٌ خفيف على الباب.
تجمّد ريان.
الطرق تكرر.
خطوة… ثم أخرى… حتى وصل إلى الباب. وضع يده على المقبض… فشعر ببرودةٍ قاسية، كأنها ترفضه.
فتح.
الطفل… ما زال هناك.
لكن هذه المرة، كان واقفًا.
قال ريان بسرعة، وكأنه يهرب من شيء داخله: 
— ادخل.

لم يتحرك الطفل.
— قلت لك ادخل!
رفع الطفل عينيه، وقال بهدوء: 
— الآن؟


ثم أضاف:— حين لم أكن بحاجة إليك؟
ارتبك ريان:— ماذا تقصد؟ كنت… كنت سأفتح.
هزّ الطفل رأسه:— لا. أنت لم تفتح… أنا فقط لم أعد أنتظر.



في تلك اللحظة، شعر ريان بشيء غريب…كأن الهواء انسحب من حوله.
نظر إلى يديه…لم تعدا ترتجفان.
لأنهما… لم تعودا تُحسّان.
رفع رأسه نحو الطفل، يريد أن يتكلم… لكن صوته لم يخرج.
اقترب الطفل خطوة، وهمس:
— البرد لا يبدأ في الخارج…— بل في المرة الأولى التي تقرر فيها ألا تشعر.



في الصباح…
مرّ الناس كعادتهم.
كان باب ريان مفتوحًا.
البيت بارد… بشكل غير طبيعي.
أما هو…فكان جالسًا قرب المدفأة، عيناه مفتوحتان، وملامحه هادئة.
هادئة… أكثر مما يجب.
الغريب؟
أن المدفأة كانت مشتعلة فعلًا هذه المرة.
لكن…
لم يكن هناك ما يمكن أن يَدفأ.



سؤال للقارئ: هل القسوة قرار واحد… أم سلسلة قرارات صغيرة لا نشعر بها حتى نتجمد بالكامل؟



حميد الع.






















تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق