القائمة الرئيسية

الصفحات

تجارب قصصية: “حين يصبح الكبش أشهر من صاحبه”

 



في الأحياء الشعبية، قد يصبح كبش العيد أهم من الإنسان نفسه. تُفتح له الأحاديث، تُلتقط له الصور، وتُذكر تفاصيله أكثر مما تُذكر أحوال الفقراء والجيران.

لكن الغريب ليس أن الناس تعشق ما يلمع مؤقتًا…الغريب أنهم ينسونه فور انتهاء دوره، كأنه لم يكن يومًا محور العالم.


كبش الموسم


في كل سنة، كان حيّ "الزيتونة" يعرف أن العيد اقترب قبل أن يعلن المؤذن رؤية الهلال.ليس بسبب الزينة، ولا بسبب ازدحام الأسواق، بل بسبب كبشٍ واحد.
كبش يملكه الحاج إدريس.


كان الرجل يشتري أضحيته قبل الجميع بشهر كامل، ثم يربطها أمام بيته كأنها ضيف مهم جاء من مدينة بعيدة.لا أحد يمر من الزقاق دون أن يتوقف.
— "ما شاء الله… انظروا إلى القرون!

— "كم وزنه يا حاج؟

— "أكيد اشتراه بثمن خيالي.

— هذا ليس كبشًا… هذا ثور متنكر!


حتى الأطفال صاروا يحفظون طريق البيت فقط لرؤيته.

أما النساء، فكنّ يراقبنه من النوافذ ويتبادلن الأخبار عنه كما لو كان شخصية مشهورة.


في المقهى المجاور، تغيّرت مواضيع الرجال بالكامل.لم يعد أحد يتحدث عن السياسة، ولا عن غلاء المعيشة، ولا عن مشاكل العمل.
كل الأحاديث كانت تدور حول الكبش.
"سمعت أنه أتى به من الجبال."

"لا، من ضيعة خاصة."

"يأكل اللوز والزبيب!"

"يقال إن ثمنه تجاوز راتب موظف كامل."


وكان الحاج إدريس يستمع بصمت، ثم يبتسم في رضا خفيّ.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أن الناس تنظر إليه بإعجاب. حتى الذين كانوا يتجاهلونه صاروا يسلّمون عليه باحترام زائد.
الكبش منحه مكانة لم تمنحها له سنوات العمل الطويلة.


وفي مساءٍ حار قبل العيد بيومين، اقترب منه ابنه الصغير ياسين وسأله:
— "أبي… لماذا يحب الناس الكبش أكثر من صاحبه؟"
ضحك الأب وقال وهو يعدّل الحبل:
— "لأن العيد هكذا يا بني. الناس تحب الأشياء التي تلمع سريعًا".
لم يفهم الطفل الجملة تمامًا، لكنه ظل يراقب الكبش في صمت.


وفي صباح العيد، امتلأ الحي بالتكبيرات ورائحة الفحم وصوت السكاكين وهي تُشحذ. كان الكبش واقفًا بهدوء غريب، كأنه يعرف أن كل هذا الاحتفال يدور حول لحظاته الأخيرة.
تجمع الجيران كعادتهم.
— "اليوم سنرى الحقيقة!

— "هذا الكبش وحده يكفي عائلة كاملة."

— "يا للحظ!"
ثم… انتهى كل شيء.


في دقائق فقط، اختفى الكبش الذي شغل الحي شهرًا كاملًا.
غُسل الفناء. حُمِل اللحم إلى الداخل. عاد الناس إلى بيوتهم.
وفي المساء، مرّ الحاج إدريس من أمام المقهى نفسه.
لم ينادِه أحد هذه المرة.


كان الرجال يتحدثون عن مباراة كرة قدم، وآخر يشتكي من الديون، وثالث يناقش أسعار الوقود.
أما الكبش… فلم يعد موجودًا حتى في الكلام.
وقف الحاج قليلًا وهو ينظر إلى المكان الذي كان الجميع يلتفون حوله بالأمس، ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
فهم أخيرًا ما لم يفهمه ابنه.


بعض الأشياء يرفعها الناس عاليًا فقط لأنها مؤقتة. وحين ينتهي دورها… يبحثون مباشرة عن حديث جديد.
عاد إلى البيت ببطء، فوجد ياسين يأكل قطعة لحم مشوية.
رفع الطفل رأسه وسأله ببراءة:
— "أبي… هل سيأتون غدًا لرؤية الكبش أيضًا؟"
نظر الحاج إلى الطبق، ثم إلى ابنه، وقال بصوت هادئ:
— "لا يا بني… الناس لا تتذكر ما انتهى."



وأنت عزيزي القارئ…كم مرة رأيت الناس يحتفلون بشيء فقط لأنه سيختفي قريبًا؟

وكم مرة كنتَ أنت نفسك "كبش الموسم" في حياة أحدهم؟

حميد الع.

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. كلام معقول فكل شيء له مدة صلاحيته هذه هي الحياة للأسف غعندما تنتهي هذه المدة ينسى كل شيء

    ردحذف

إرسال تعليق