في القرى التي تُنسى على أطراف الخرائط، لا يتذكر الناس أسماء الشوارع… بل يتذكرون الأشجار التي أنقذتهم يومًا من الجوع.
لكن أحدًا لم يكن يقترب من شجرة العوسج القديمة خلف المقبرة.
لم تكن مخيفة، ولا مسكونة كما يشاع…بل لأن أهل القرية كانوا يعتقدون أنها تحفظ سرًّا لا يجب أن يعرفه أحد.
سرّ امرأة ماتت منذ أربعين سنة… وما زالت تُطعِم الغرباء حتى اليوم.
القصة
حين عاد "يونس" إلى قريته بعد غياب طويل، كان كل شيء أصغر مما يتذكره.
البيوت الطينية التي بدت له في طفولته كالقلاع، صارت متعبة. السوق القديم صار شبه فارغ. حتى الوجوه فقدت لمعانها.
عاد فقط ليبيع بيت أمه الراحلة ويرحل نهائيًا.
لم يكن يحمل أي حنين للمكان، خصوصًا بعد أن ماتت أمه وحيدة في تلك القرية التي لم تسأل عنها يومًا.
في مساء بارد، وبينما كان ينظف سطح البيت، لمح من بعيد شجرة كثيفة تتحدى الجفاف خلف المقبرة الصغيرة.
كانت شجرة عوسج.
استغرب وجودها هناك، لأن الأرض حولها كانت قاحلة تمامًا.
في الليل، سأله شيخ عجوز في المقهى:
— "هل اقتربت من شجرة العوسج؟"
ضحك يونس:— "ولماذا؟ هل تسقط ذهبًا؟"
لكن الرجل لم يضحك.
اقترب منه وهمس:— "كل من أكل من ثمرها وهو جائع… عاد إليها مرة أخرى."
ساد الصمت.
ظن يونس أن الأمر مجرد خرافة قروية سخيفة، لكنه لم يستطع تجاهل الفضول الذي تسلل إليه.
في اليوم التالي، ذهب نحو المقبرة.
كانت الريح حارة والتراب متشققًا، لكن شجرة العوسج وحدها بدت حيّة بطريقة غريبة.
أغصانها مليئة بزهور صغيرة بنفسجية باهتة، وبينها ثمار حمراء دقيقة.
اقترب أكثر.
وحين لمس إحدى الثمار، سمع صوتًا خلفه:
— "لا تأخذ أكثر مما تحتاج."
التفت بسرعة.
كانت امرأة عجوز تحمل سلة فارغة.
سألها:— "هل هذه أرضك؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت:— "كانت أرض امرأة اسمها زهراء."
ثم أشارت إلى الشجرة:— "هذه آخر ما بقي منها."
جلس يونس قرب الشجرة بينما بدأت العجوز تحكي.
قبل أربعين سنة، ضرب الجفاف القرية.
مات الزرع، وجاعت البيوت، وصار الناس ينامون على الماء فقط.
لكن امرأة فقيرة تُدعى زهراء كانت تخرج كل صباح حاملة سلة صغيرة من ثمار العوسج.
لم تكن تبيعها.
كانت تضعها بصمت أمام أبواب البيوت التي تعرف أن أطفالها جائعون.
وحين سألها الناس من أين تأتي بها، كانت تبتسم فقط.
استمرت تفعل ذلك أشهرًا كاملة، رغم أن الجميع كان يعرف أن أرضها ميتة مثل بقية الأراضي.
وفي أحد الأيام… اختفت.
بحثوا عنها طويلًا، ثم وجدوها ميتة قرب هذه الشجرة تحديدًا.
لكن المفاجأة لم تكن موتها.
بل أن شجرة العوسج بعدها صارت تزهر وحدها… حتى في أقسى سنوات الجفاف.
ابتسم يونس بسخرية خفيفة:— "مجرد صدفة."
لكن العجوز نظرت إليه طويلًا ثم قالت:— "أمك كانت تأتي إلى هنا."
تجمّد مكانه.
— "أمي؟"
— "حين مرضت في آخر سنواتها… كانت تأخذ من ثمار العوسج وتوزعها على الفقراء ليلًا… تمامًا كما كانت تفعل زهراء."
شعر يونس بشيء يختنق داخله.
تذكر كم كان يرفض مكالمات أمه. كم مرة وعدها بالزيارة ولم يأتِ. كم مرة اعتبر القرية عبئًا قديمًا يجب التخلص منه.
وفجأة، لمح شيئًا غريبًا بين أغصان الشجرة.
قطعة قماش صغيرة مربوطة بعناية.
اقترب منها.
كانت جزءًا من وشاح أمه.
هنا فقط فهم لماذا بقيت الشجرة حيّة.
لم تكن تُسقى بالماء.
بل بالأيادي التي كانت تمنح دون أن تخبر أحدًا.
في تلك الليلة، لم يبع يونس البيت.
وفي الصباح، شاهده أهل القرية يضع سلالًا صغيرة أمام الأبواب الفقيرة.
داخل كل سلة… بعض الخبز، وقليل من الطعام، وغصن صغير من زهرة العوسج.
ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يقولون إن القرية لم تعد تخاف الجفاف كما كانت.
لأن بعض الأشجار… لا تنمو من التراب أصلًا.
بل من الرحمة التي يتركها البشر وراءهم.
ليست كل الزهور خُلقت للزينة.
بعضها خُلقت لتُذكّر البشر أن اليد التي تُطعم الآخرين بصمت… قد تعيش أطول من الأسماء الكبيرة.
وزهرة العوسج… ربما لم تكن يومًا مجرد نبتة صحراوية كما نظن.
بل ذاكرة حيّة للقلوب التي أعطت دون مقابل.
حميد الع.

قصة جميلة
ردحذف