القائمة الرئيسية

الصفحات

 


حظ تعيس


قصة قصيرة:


حظ تعيس


وسط حي شعبي، في مدينة حبلى بالضجيج و الحيوية، كانت تعيش (حليمة)مع والديها .                      

  أبوها حارس مدرسة، راتبه الشهري بالكاد يسد حاجيات أسرته الصغيرة . 

كان نجم (حليمة) يبلغ السماء في سنها العشرين خلوقة، جميلة الوجه، بيضاء البشرة، ملونة العينين، و

 الخطاب كثيرا ما ضايقوها بطلباتهم المتكررة، و الملحة في بعضها.

 ابراهيم شاب في عقده الثالث ..طويل القامة..حسن اللباس..و لخطواته وزن خاص . 

لقاؤهما الأول ، كان صدفة عند بقال الحي ( سي حمو لخبار)، اصطدمت به و هي تهم بالمغادرة بعد أن

 ابتاعت أغراضا، بادرها ابراهيم أولا بالاعتراف ثم الاعتذار،  قائلا:" آسف !لم أكن أقصد.."  

قاطعته: " لاداعي للأسف، فأنا من يجب أن تعتذر!"

هذه المرة كانت الموافقة على الزواج ، بعد أن طلب يدها من أبيها، الكل رحب بهذا القران .

وسط أهازيج و زغاريد كل من يحبها انتقلت إلى بيت زوجها . 

عاشت (حليمة) مع زوجها عيشة هنيئة، تكاد تخلو من الأزمات ، فقد كانت الزوجة المثالية. 

توج هذا التفاهم بمولود كانت تتمناه ليملأ عليها حياتها ، لكن الفرحة لم تدم طويلا ، لقد تبين أن ابنهما

 (سمير) معاق ذهنيا ، أقرانه من أبناء الجيران يذهبون إلى الكُتاب و هو لا ينطق كلمة واحدة بعد .

 تزامن كل هذا مع نبإ وفاة والدها العطوف و قبله أمها الغالية في نفس السنة تقريبا . تكاد تفقد صوابها مع

 كل هذه الأحداث، أتحزن لفراق أبويها ؟ أم على ابن لم تعد تطيق حديث الناس عنه ؟ ..

ظروف و طبيعة عمل زوجها ، تجعله يغادر البيت دائما ، لكنه هذه المرة التحاقه كان بالصفوف الأمامية

 للدفاع عن حوزة الوطن  بات الوضع يخيف(حليمة) ، فهي المسؤولة الوحيدة عن الأسرة  و عن ابنهما

 (سمير). 

زوجها بعيد ، وبين ذراعيها طفل صغير يلوك الكلام و لا يلفظه ، لقد أصبح حالها كحال كل من ذاق من

 خمرة الحياة الممزوجة بمرارة اللذة و حلاوة  الأوجاع .

 زاد الطين بلة، خبر  وفاة زوجها عند الحدود ، و تأخر صرف المعاش من صعوبة الأوضاع . 

و هي المكوية بنيران الفراق و حرقة الأمومة ، ضايقها أصحاب الديون ، فحتى "سي حمو لخبار" بدأ

 يضايقها، مرة بسداد أجرة البقالة ، و أخرى في مصادقتها . 

مرة قال لها : " أتقبلين بي خليلا ، فكما تعلمين ، أنا تاجر و لدي مال وفير .."

 ردت عليه بحنق : " لا أفهم ؟ ماذا تقصد ؟.." 

و بصوت ينم عن المكر  و الخديعة قال :" ربما ساعدتك ، العيش بدون مال في هذه الأوقات ..."   

     قاطعته بسرعة : " لا !.. لست للبيع ! " و انصرفت و الغضب في عينيها .

سرعان ما تركت (حليمة) عالم العيش السعيد، و جاءت لتعيش هي و ابنها في آخر الحي المهجور، حجرة

 أرضية واحدة .. ضيقة .. لا نوافذ .. لا ماء  و لا كهرباء  .

عاشت أيامها الأولى على بيع كل ما هو نفيس لتسد به نفقاتها .

 أصبحت خادمة بيوت ، تعود إلى بيتها تحت جنح الظلام ، و معها بعض ما تفضلت به بعض العائلات من

 أطعمة لابنها الذي كان يتيه طول النهار من شارع لآخر ، يجمع حوله الأولاد  و يردد  بعضا من كلماته التي

 تخرج كالعويل من فمه " سو .. سو .. " أي "سمير.. سمير .." 

لم تعد العائلات ترغب بها كخادمة لكثرة ما كانت تسمعه عنها و عن ابنها الذي لا يشبه الآخرين، لقد

 أصبحت تائهة محتارة ؛ حين أصيب ابنها الوحيد المعاق بمرض عضال ألزمه الفراش .

كانت ترى طفلها البريء يموت و هي عاجزة  وحيدة ، الحياة أصبحت  كلها آلاما ، و مع الآلام أسى و حسرة .. 

هذه الروح الطيبة الطاهرة .. نفسه تكاد تفيض من السحنة الشبه ميتة، ثم تخرج تاركة وراءها  نحيبا و

 عويلا .. إلى أن يتركوه  وحده في قبره ليستريح  أخيرا  من كلام الناس و ضحكات الخلان .

لقد كان وحيدها و مؤنسها في هذه الحياة ، بدا لها طيفا سرعان ما اختفى، وكما قيل " فالبكاء لا يرد الميت،

 و لا الحزن يدفع المصيبة ، و لا الأسف يرد الفائت".. لقد كان الأمل الذي كانت تتحمل من أجله كل الأعمال

 الشاقة، و الإهانات الموجعة.. لقد كان سبب إثباتها لوجودها بين قريناتها .

و خلال مراسيم الدفن، تعرفت إليها أرملة معروفة بعلاقاتها المشبوهة، ربطت معها صداقة ، كانت سبب

 خروجها من تحت الرداء الحصين، لتنساق وراء عالم لم تكن ترضى حتى السماع عنه ، فقط و كما يقولون

 : " هي ظرف أتت نتيجة لجميع الأسباب "

لم تفلح (حليمة)  في استعادة سعادتها السابقة ، فعاشت بين هاجس الضمير  و اليأس القاتل .. 

وحينما عضها الندم ، جعلت لحياتها حدا .. و انتحرت شنقا .      

حميد الع.                                                                                                                     


تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق