في صباحٍ عادي، قد تغيّر فيه كل شيء، لم يكن "محسن" يعلم أن صدفةً صغيرة—مجرد مقعد في سيارة عابرة—ستعيد
"محسن" مدرس
متوسط العمر، معتدل القامة، أنيق من غير تكلف،تنطلق من عينه نظرات كلها ثقة
و رزانة .
يعمل في إحدى الفرعيات التابعة لمركزية اشتق اسمها من أحد
المناضلين في تلك المنطقة .
يخرج كل
صباح من مسكنه مبكرا متجها إلى عمله .
مرت سيارة ، فأبى إلا أن يجرب حظه في هذا الصباح
، فكان خيرا ، أخذ محسن مقعدا أغمض عينيه ليستغل لحظات من الراحة .
لم تكن السيارة
مزدحمة بالركاب ، و يبدو أن شيئا ما في داخله جعله ينتبه، ليرى فتاة حسناء ، اعتدل
في جلسته ، و وضع حقيبته على الجزء الخالي من المقعد المجاور .
تنهد في عمق ، و هو يعود بذاكرته
إلى أيام الطفولة الجميلة ، كانت تفور وجنتاه بحمرة مميزة
كلما نظرت إليه فتاة حتى و إن كانت بريئة في نظرها .. ثم تنهد مرة أخرى بعمق
، مال برأسه إلى الوراء ، و هو يعود بذلك إلى تجربة الزواج الفاشل التي مر بها ..
فجأة ! أفاق صاحبنا على صوت يقول : ـــ "وصلنا يا سادة .."
كان أول ما تنبه إليه
الفتاة ، فقد كان واضحا أنها نزلت فور وقوف السيارة ، إلا أنه وجد نفسه ، و هو لا
يعرف لماذا ، يعاود النظرة مرة ثانية إلى مكانها .
كانت هناك حافظة أوراق ذات لون وردي فاتح اللون على المقعد ، لم يتردد في أخذها .
تقدم المدير (السيد إبراهيم) و قال : آه .. نسيت أن أقدم لكم الآنسة "وداد" ،المدرسة الجديدة .
رد محسن باحترام: ــ مرحبا بك في مدرستنا، ستعجبك حتما .. صحيح
أننا لسنا في المدينة، فهنا الهواء النقي و…
ـــ الآنسة "وداد" أستاذة مؤقتة ، ستعوض السيد "إسماعيل" ، فكلنا يعلم أن مرضه مزمن ، الأمر الذي جعل تعويضه أمرا لا يقبل التأخير أكثر، و نحن نتمنى له الشفاء القريب إن شاء الله ..
صمت برهة قبل أن يستطرد : ــ
أريد منك يا أستاذ "محسن"، أن تضحي بشيء من وقتك .. فالأستاذة لا
تعرف..
تسابقت العبارات تنفلت من
فمه و هو يقول :
ـــ الواقع يا سيادة المدير .. أنني .. مستعد
لأية خدمة ، فهذا شرف لي .. و لأول مرة تنحنحت الآنسة الجديدة "وداد" ،و
قالت بصوت عذب هادئ :
ــ شكرا جزيلا لك .
خطا محسن خطوة إلى الأمام ، و هو يقول
: ــ قسمك من هذه الجهة قرب قسمي تماما.
عند الزوال ، اجتمع أساتذة الفرعية لتناول وجبة
الغذاء ، فبيوتهم بعيدة .
لاحظ محسن أن الآنسة "وداد" تتقرب منه بدليل أنها استضافته إلى تناول الغذاء
معها ، في حين أثار حقد البقية من الأساتذة .
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساء ، حين دق جرس الخروج ، مثنى .. مثنى.. في صفوف إلى خارج باب الفرعية ،
كان آخر من غادرها "محسن" ، وأما "وداد" الأستاذة الجديدة فقد
كانت تنتظره ، و ما إن رأته حتى صاحت:
- ما الذي أخرك يا أستاذ "محسن"
؟
في هذه اللحظة ، صدر صوت مبحوح من وراء "محسن" يقول : - لقد كان يساعدني يا ابنتي .
أجابها محسن و هو يقترب من باب المدرسة :
"إنه بركة مدرستنا .. "عمي
حمزة" .. حارس مدرستنا "
كانت العودة متعبة. استلقى "محسن"
على السرير من شدة التعب ، فجأة قفز كمن
أصابه مس من الجان، الحافظة ! لقد نسيت
إرجاعها ! يا لغبائي !
حمله الفضول وقام بفتحها و هو يهمهم :
" بطاقة تعريف .. نقود.. فجأة تسمرت عيناه على صورة شمسية قديمة ، تراخى على
حافة السرير، و قد انفرجت أساريره عن ابتسامة راضية و هو يقول :
- سبحان الله ! ما أوسع رحمتك !
عشرون سنة مرت كلمح البصر ، على هذه
الأحداث ، و الكل يتذكر القصة المؤلمة حين
ضاعت طفلة لأسرة "عمي حمزة" حارس المدرسة المسكين .
مر وقت طويل تغيرت فيه الملامح و الاسم ، كلها شككت
ظنونه في البداية ..
كان يحدث نفسه ، يسأل ثم يجيب ، نعم ،
هذه أتذكرها جيدا وهي أقرب إلى السحنة
التي غابت بها ، كنت حينها مدرسا متدربا
.. أما هذه فكبيرة كفاية ، فقد أبانت عن ملامحها الصافية ..
لم يقاوم محسن كل هذا الشعور الجياش و
الفرحة العارمة و هذه المفاجأة غير العادية ..
و بحركة لا شعورية ، قفز من على سريره نحو الباب ،
عمي حمزة .. عمي حمزة .. لقد عادت ..
لقد عادت ابنتك ..
وداد ابنتك .
حميد الع.

👍👏👏
ردحذف👍👍👍
ردحذف