هذا ليس صوت صفير… هذا ما تبقى من رجل دفع حياته ليمنح الحياة لغيره."
هو حارس موقف السيارات
بأحد شوارع المدينة القديمة التي تقل فها الحركة و التجوال .
تراه بسترته المشعة ذات اللون البرتقالي من بعيد ، لا
تخطئه العين لا في الليل و لا في النهار .
يتنقل من رصيف إلى آخر على
كرسيه المدولب ، و في يده صفارته و مصورته التي يعرفه بها من يسكن بالقرب من موقف
السيارات الذي يحرسه .
الحارس "مختار"
، يلوك الكلام و لا يلفظه .. يحرس السيارات بتفان ، و أما الزبائن الممتنعون عن
الأداء ، فيتبعهم بكرسيه المتحرك حاملا مصورته و هو يصدر صوتا يعرفه الكبير و
الصغير : < زوم .. زوم > < زوم .. زوم >.
لم يكن هكذا من قبل ، لقد
كان جنديا يحرس الحدود ، كان محبا لوطنه يخدمه بكل مشاعره و
أحاسيسه ، كان يقول لأصدقائه دائما : "
الوطن أبي .. الوطن أمي .. الوطن ابني .. الوطن عائلتي .."
اعتاد
"مختار" أن يقضي عطلته السنوية
مع والديه العجوزين الطاعنين في السن .
مرة
كان في الخارج مع أصحابه ، و هو عائد إلى البيت ، رأى فتاة صغيرة تنفلت
من يدي أبويها لتعبر الطريق مسرعة ، في
تلك اللحظة سمع من بعيد صوت انزلاق عجلات سيارة مسرعة ، ثم رأى الناس بدهشة بالغة "مختار " و هو يلقي بنفسه
أمام السيارة ليدفع الطفلة نحو جهة الرصيف لتنجو بأعجوبة .
على
جناح السرعة ، تم إيصال "مختار " البطل إلى المستعجلات لتلقي الإسعافات
، ليكتشف بعد ذلك أن عموده الفقري قد تضرر كثيرا و أنه أصيب بعاهة مستديمة ، ستلزمه الفراش لمدة ليست
بالقصيرة .
فقد
"مختار" و إلى الأبد الشعور برجليه ، لقد أصبح مشلولا ، و
ليس هذا فقط، بل و أيضا أخرسا ، فكلامه
غير مفهوم، أصوات متقطعة مصحوبة بخروج كثير من اللعاب من فمه، تجعل قلبك يلين لهذا الشاب
و ما آل إليه ، بعدما كان ينعم بوظيفة و
قوة و عافية .
تألمت
لهذه القصة التي جعلت هذا الشاب يعاني كل
هذه الآلام . صادفته عند المنعطف ، في الزاوية قرب بائع متجول ، نظرت إليه و جعلت
في يده بعض النقود علها تخفف عنه قليلا و تعينه على مصروف ذلك اليوم ، نظر إلي
مطولا ، كما لو أنه كان يتحدث ، و هو فيما
يشبه التفل << زوم .. زوم >>
فهمت
.. يود شكري لكن بما يستطيع نطقه ، و أنا بدوري فهمت
حديثه ، انصرفت و في نفسي شيء من هذه
الحياة التي عاشها هذا المخلص لوطنه و إنسانيته .
كما
لو أن الحياة أدارت له ظهرها ، أو أنه هو من كان يجلس و ظهره إليها .
حميد الع.

👍👏👏
ردحذف👍👍👍
ردحذفجميل جدا👍🏻👍🏻👍🏻
ردحذف