في ليلة من ليالي الصيف الهادئة، تلقى مراد دعوة لحضور وليمةٍ في إحدى البيوت الكبيرة المعروفة في الحي. لم تكن الدعوة عادية؛ فقد كانت مخصصة لمناسبة هامة تجمع أعيان المدينة، إلى جانب رجال المجتمع البارزين.
لبس مراد ثيابه التقليدية الأنيقة وتوجه إلى المكان، متوقعًا أمسية مليئة بالخير والبركة، بعيدًا عن صخب الحياة اليومية.
ما إن وصل إلى البيت المنشود، حتى استقبله صاحب الوليمة بترحابٍ كبير، ودعاه للجلوس في الحديقة المليئة بالناس الذين تجمعوا حول موائد الطعام المتنوعة. كانت الحديقة مهيأة بشكل رائع؛ الأضواء تضيء الأشجار، والموسيقى التقليدية تنساب بهدوء بين الجموع. لكن مراد كان يشعر بأن شيئًا ما غير مألوف ينتظره في تلك الليلة.
بدأت الوليمة بعد أن ألقى أحد الفقهاء كلمة قصيرة عن أهمية الاجتماع والتراحم بين الناس، ثم دُعي الجميع للبدء في تناول الطعام. وفي لحظة، تغيرت الأجواء.
ما إن ابتدأت الوليمة حتى لاحظ مراد ما لم يكن يتوقعه. في ركن من الأركان، بدأ بعض المدعوين يتدافعون حول الصواني الكبيرة المليئة باللحم، يسارعون لخطف ما يمكنهم حمله، دون اهتمام بالبقية. كان أحدهم يملأ كيسًا بلاستيكيًا باللحم و حبات البرقوق اللذيذة المزينة بالسمسم.
لم يكن مراد قادرًا على استيعاب هذا المشهد؛ كيف يمكن لشخص بالغ، بل ومدعو لهذه المناسبة الرفيعة، أن يتصرف بهذه الطريقة؟
ابتسم مراد للحظة، لكنه سرعان ما أدرك أن هذا الفعل ليس مجرد تصرف طفولي بريء، بل هو نتيجة لتوجيهات من الكبار، الذين كانوا يرون في هذه الأفعال وسيلة للحصول على "حصتهم" من الوليمة.
وفي جانب آخر، كانت هناك مجموعة من الفقهاء، جاؤوا لتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم. كان مراد يتوقع منهم أن يكونوا قدوة لبقية الحضور، لكن سرعان ما تحولت تلاوتهم إلى صولات وجولات بين الصحون والحلويات، يقلبونها بأيديهم، يأخذون منها ما طاب لهم، ثم يعودون ليواصلوا التلاوة وكأن شيئًا لم يكن.
لم يكن الأمر يتعلق بالجوع، بل كان أشبه بمسابقة غير معلنة، حيث يسعى كل واحد منهم لأخذ أكبر قدر ممكن من الأطعمة الشهية.
جلس مراد يراقب كل هذا المشهد، مشاعر مختلطة تتلاعب به. أراد أن يضحك من طرافة الموقف، لكن شيئًا في داخله منعه؛ كانت هذه الطرافة تحمل في طياتها حزناً دفيناً.
كيف يمكن لمجتمع يبجل القيم والأخلاق أن يتصرف بهذه الطريقة؟ وجد نفسه فجأة في موقع الراوي، يأخذ عقله في وصف ما يراه، ويعبر عن دهشته من تداخل العادات والتقاليد مع سلوكيات لا تليق بمن يدعون أنهم أهل الدين والفضيلة.
وهكذا، لم يكن مراد مجرد مدعو في تلك الوليمة؛ بل كان شاهدًا على واقع مليء بالتناقضات، بين ما يدعو إليه المجتمع وبين ما يمارسه أفراده في السر.
وبينما كانت الليلة تتقدم، كان مراد يتعمق في تأملاته، يدرك أن الوليمة لم تكن فقط مناسبة اجتماعية، بل كانت درسًا عن حقيقة البشر، ومرآة تعكس ما في نفوسهم من طمع وتناقضات.
مع نهاية الوليمة، وعندما بدأ المدعوون بالانصراف، لم يكن مراد يفكر في الطعام الذي تناوله أو في اللقاءات التي حدثت، بل كان مشغولاً بتلك الصور التي علقت في ذهنه؛ صور الفقهاء الذين بدل أن يكونوا قدوة في الورع، كانوا يتنافسون على ملء صحونهم، وصور الأطفال الذين تعلموا الدهاء قبل الأوان.
ترك مراد البيت وهو يحمل في قلبه شعوراً بالخذلان، لكنه أدرك أن هذا الشعور هو ما سيحمله معه في بقية حياته، ذكرى تلك الليلة التي كشفت له الكثير عن طبيعة البشر.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق