في إحدى الأزقة الضيقة حيث تُلَوِّن الجدران رسومات باهتة وصدى خطوات المارة يختلط مع ضجيج الحياة، جلس مجنونٌ على حافة الرصيف، يلف حوله معطفه القديم الذي يكاد يسقط عن كتفيه. عيونه تلمع بذكاء خفي، وشفاهه تتحرك كما لو كانت تحاول فك شيفرة الزمن.
اقترب منه رجل عاقل، غارق في أفكاره، وقد أدهشته رؤية هذا المجنون الذي يتحدث كما لو كان فيلسوفًا ضائعًا.
جلس بجواره وسأله بفضول: "ماذا تفعل هنا كل يوم؟ ألا تعرف أن المكان هنا ليس لك؟"
ابتسم المجنون ابتسامة مفعمة بالغموض وقال: "ومن قال إن الأرض تملك أحدًا؟ إنها فقط تستضيفنا لفترة، ثم تودعنا كما نستضيف نحن الهواء في رئتينا وننفيه في لحظة."
توقف العاقل قليلاً، ثم تابع حديثه: "ولكن الناس ينظرون إليك وكأنك .. ألا تزعجك نظراتهم؟"
أجاب المجنون وهو ينظر إلى السماء: "العين ترى ما يختاره القلب، والقلب أعمى عن الحقيقة. أما نظراتهم فهي زجاج يعكس قلقهم وخوفهم من أن يكونوا هم المجانين."
حاول العاقل أن يجد ردًا، لكنه شعر بأن الكلمات تخونه.
فسأله: "وما حكمتك في هذه الحياة؟ ما الذي تعلمته من سنواتك الطويلة هنا؟"
أخذ المجنون نفسًا عميقًا ثم قال: "الحياة حلم، والصحوة هي الجنون.
من يعيش في الوهم يظن نفسه عاقلًا، لكن من يستيقظ يرى العالم كما هو؛ غابة من الأوهام.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق