![]() |
في زاوية المقهى العتيقة، جلس الزبون في مقعده المعتاد، يترقب وصول فنجان القهوة. على طاولة المطبخ، كان الفنجان الأبيض الناصع ينتظر امتلاءه بالسوائل الداكنة التي تضج بالعطر والسحر. تدفقت القهوة الساخنة من الإبريق برفق، ملأت الفنجان حتى امتلأ بهالة من البخار العطرية.
تحمل النادل الفنجان بكل حذر وعناية، وكأنما يحمل قطعة من فن نادر. تحركت أنامله برفق حول مقبض الفنجان، متفاديًا ارتجافات اليد الصغيرة التي قد تعكر صفو اللحظة. الفنجان، في تلك اللحظة، كان محور الكون، محتضنًا في قلبه دفء السكينة وعمق النكهة.
وضع النادل الفنجان أمام الزبون، فتراقصت أبخرة القهوة في الهواء كما لو أنها رسائل غامضة تنطلق من عالم آخر. احتضن الزبون الفنجان بيديه، شعر بحرارة اللحظة تتسلل إلى أعماق روحه. رفع الفنجان ببطء إلى شفتيه، فتسربت النكهة الغنية إلى كيانه، مثل لحظةٍ سحرية تُختزل فيها تفاصيل الحياة بأسرها.
كان الفنجان يروي قصصًا خفية في كل رشفة، يحمل في طياته ذكريات الأمس وأحلام الغد، محاطًا بهالة من السحر الذي لا يُضاهى. وفي تلك اللحظة، أدرك الزبون أن فنجان القهوة هذا ليس مجرد مشروب، بل هو طقوس مقدسة تبدأ بها أيامه وتنتهي عندها، تملأ حياته بروعة التفاصيل البسيطة.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق