في العطلة الصيفية، عدتُ إلى قريتي الهادئة حيث مسقط رأسي، رفقة أبنائي. كنت أرغب في أن أعرّفهم على جذورهم وأروي لهم ذكريات طفولتي. أثناء تجوالنا بين الحقول الخضراء وتحت ظلال أشجار الزيتون، لفت انتباهنا جامع قديم ذو جدران طينية وسقف من القش.
توقفت عند الجامع، وأشرتُ لأبنائي نحو المبنى العتيق قائلاً: "هنا، في هذا المكان، قضيت أيامي الأولى في التعلم." جلسنا تحت ظل شجرة زيتون قديمة، وبدأت أروي لهم حكاياتي عن الكتّاب.
في ذلك الوقت، كان الأطفال يجتمعون في الجامع لحفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة والحساب. كان الفقيه، رجل في منتصف العمر ذو لحية بيضاء كثيفة وعينين تشع منهما الحكمة، هو المسؤول عن تعليمنا.
كان يرتدي جلبابًا أبيض وعمامة تلف رأسه، مما زاده وقارًا وهيبة. رغم صرامته، كانت هناك لمسة من اللطف والحنان في تصرفاته، تجعلك تشعر بأن وراء هذه القسوة قلبًا كبيرًا.
كل صباح، كنا نهرع إلى الكتّاب حاملين ألواحنا الخشبية المصقولة، مغطاة بطبقة من الطين. كنا نجلس في صفوف منظمة، نستمع بانتباه لتلاوة الفقيه.
لم تكن الدروس خالية من التحديات، وكانت العقوبات جزءًا لا يتجزأ من هذه الرحلة التعليمية. إذا أخطأ أحدنا في تلاوة آية أو تأخر عن الحضور، كان الفقيه يعاقبه بطرق متعددة. كانت هناك "الفلقة"، وهي عقوبة تقضي بربط قدمي الطفل وضربهما بعصا رقيقة، و"الضربة بالمسواك"، حيث يُضرب الطفل على يديه بمسواك طويل.
ورغم تلك العقوبات، كانت هناك لحظات جميلة لا تُنسى. في الأعياد والمناسبات، كان الفقيه يوزع الحلوى علينا ويشاركنا قصص الأنبياء والأمثال الشعبية، مما كان يضفي جوًا من الألفة والمحبة. كان يحرص على تعليمنا القيم والأخلاق إلى جانب العلوم الدينية، مما جعل أثره يدوم في نفوسنا طويلاً.
نظرت إلى أبنائي وقلت: "هنا تعلمتُ أولى حروف القرآن وتعرفتُ على أصدقاء حياتي. كان الفقيه، رغم صرامته، يزرع فينا قيم الاحترام والمثابرة."
تأملنا جميعًا المكان، واستشعرنا عبق الماضي وكأن الفقيه ما زال جالسًا هناك، بعينيه الحكيمتين، يراقب تلاميذه وهم يكبرون ويتعلمون دروس الحياة.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق