القائمة الرئيسية

الصفحات

تجربة قصصية: ذكريات الدخول المدرسي





في مساء هادئ، اجتمع الأطفال حول جدهم العجوز في الفناء الخلفي للمنزل، حيث النسيم العليل يلامس وجوههم وأصوات الطيور تملأ الأجواء.


كان الجد يجلس على كرسيه الخشبي، وعيناه تتألقان بحنين الماضي، وهو يستعد ليحكي لهم قصة عن أول يوم دراسي له، عندما كانت المدارس تختلف كثيراً عن ما يعرفونه اليوم.



بدأ الجد حديثه قائلاً: "هل تريدون معرفة كيف كان أول يوم لي في المدرسة؟" تحلق الأطفال حوله بعيون واسعة ومتحمسة، وهم يجيبون بصوت واحد: "نعم، يا جدي، احكِ لنا!"


ابتسم الجد، وأخذ نفساً عميقاً، وبدأ يسرد قصته: "كانت القرية صغيرة ومحاطة بالأشجار الخضراء والحقول الواسعة. لم تكن هناك مدارس حديثة كما تعرفونها الآن، بل كان لدينا الكتاب، مكان بسيط نتعلم فيه القرآن الكريم وبعض المواد الأساسية.

 كان الكتاب غرفة واسعة مفروشة بحصير بسيط، تتوسطها سبورة خشبية قديمة، وعلى جدرانها بعض الآيات القرآنية مكتوبة بخط جميل."



سكت الجد للحظة، وكأنه يسترجع الذكريات القديمة، ثم أكمل: "في صباح ذلك اليوم، كنت أترقب بشغف، مثل كل الأطفال الذين يصلون سن المدرسة. لبست أحسن ما لدي.
كانت تقول لي:


'اليوم  ستبدأ رحلتك في طلب العلم. كن مجتهداً وأطِع المعلم.' كانت كلماتها تمنحني شعوراً بالمسؤولية والفخر."



ثم وصف الجد لحظة وصوله إلى الكتاب، ممسكاً بيد والده، وكيف كان الطريق مليئاً بالأولاد والبنات الذين يسيرون مع آبائهم، كلهم يتجهون نحو نفس المكان. عند الوصول، استقبلهم المعلم بوجهه الوقور ولحيته البيضاء، وابتسامته الهادئة.



استمر الجد في حديثه، واصفاً تفاصيل ذلك اليوم: "جلسنا على الحصير، مستعدين للبدء. كانت لدينا ألواح خشبية صغيرة ومقلمات مملوءة بالصمغ والطباشير. بدأ المعلم، حيث قرأ بعض الآيات من القرآن الكريم بصوت عذب، وطلب منا تكرارها من بعده. كان صوته يحمل هيبة العلم ورهبة المكان."



وتذكر الجد كيف كان يحاول بجدية تقليد الخط الجميل الذي يراه على السبورة، وكيف كانت الأصوات تتعالى بالأطفال وهم يرددون الآيات، والمعلم يمشي بينهم، يصحح لهم ويشجعهم.



كانت هذه البداية لرحلة طويلة من طلب العلم، حيث كان للكتاب مكانة خاصة في قلوبهم، وللمعلم احترام لا يُضاهى.


ومع مرور الأيام، بدأ الجد يلاحظ الاختلافات بين تجربته الأولى في الكتاب وتجربة أصدقائه في العصر الحديث الذين يدخلون المدارس الحديثة. لكنه أكد أن إحساس الفرح والرهبة في اليوم الأول للدخول إلى المدرسة كان مشتركاً بين جميع الأطفال، مهما تغيرت الأدوات والأساليب.


أنهى الجد قصته بابتسامة دافئة، وقال: "كانت تلك الأيام مليئة بالذكريات الجميلة. قد تغيرت الأدوات والأساليب، لكن روح التعلم والفرح الممزوج بالرهبة في اليوم الأول للمدرسة تظل ثابتة في كل زمان ومكان."


جلس الأطفال بصمت لبعض الوقت، متأملين في قصة جدهم، ومقدرين القيمة العميقة للمدرسة والأوقات البسيطة التي عاشها.


حميد الع.


تعليقات