في أحد الأحياء الهادئة، كانت تعيش "سعاد"، امرأة معروفة بحرصها الشديد على حماية أبنائها. كانت تخشى عليهم من كل شيء، حتى من الأقرباء والجيران. كانت تحبسهم في البيت، وتمنعهم من اللعب في الخارج أو الاختلاط بالآخرين، خوفًا من أن يصيبهم مكروه.
مرت السنوات، ولم يتغير شيء. لاحظ الناس أن أبنائها الأربعة، الذين اعتادوا رؤيتهم من نوافذ المنزل، لم يظهر عليهم أي علامات تقدم في العمر. ظلوا بنفس الهيئة، وكأن الزمن قد توقف عندهم.
ذات يوم، وبينما كانت سعاد تنظف المنزل، عثرت على صندوق قديم مليء بالصور القديمة والذكريات. وبينما كانت تقلب في الصور، توقفت عند صورة قديمة لأسرتها، تذكرت تلك اللحظة بوضوح. كان ذلك اليوم هو آخر مرة جمعتهم جميعًا.
فجأة، تدفقت الذكريات كالسيل؛ حادث السيارة المروع، انزلاق العجلات، السيارة التي انحدرت إلى أسفل الحافة، صرخات الأطفال، وتحطم السيارة.
أدركت سعاد الحقيقة المروعة: أبناؤها وزوجها لقوا حتفهم جميعًا في ذلك الحادث المميت، ولم تنجُ إلا هي. لم تستطع أن تتقبل هذه الحقيقة المؤلمة، وانهارت تمامًا. بدأت تدرك أن ما كانت تراه طوال هذه السنوات لم يكن حقيقيًا، بل كان من صنع خيالها المشوش.
الصدمة كانت أكبر من أن يتحملها عقلها، وبدأت تفقد الاتصال بالواقع. أصبح المنزل الذي كان يومًا مأوى لأطفالها ملعبًا للظلال والصور الخادعة. لم تعد قادرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبدأت تتحدث إلى أشباح أبنائها، تتحدث إليهم كما لو كانوا لا يزالون أحياء.
لم يمض وقت طويل حتى اكتشف جيرانها حالتها العقلية المتدهورة، وتم إدخالها إلى مصحة خاصة. هناك، ظلت سعاد تعيش في عالمها الخاص، تتحدث إلى أبنائها الذين لم يعودوا موجودين إلا في مخيلتها. بقيت هناك بقية حياتها، محبوسة في ذكرياتها وأوهامها، غير قادرة على الإفلات من الصدمة التي دمرت حياتها.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق