تجربة قصصية : عشاء بارد جدا.
كانت العواصف تهب بقوة خارج المبنى كما لو أن الليل يسعى لاختراق الجدران قبل أن يتسلل إلى قلوب الحاضرين. كانت الأجواء في تلك الليلة الشتوية باردة، بلا أي نجوم، ولا ضوء يضيء الظلال، ولا أي روح تطمح للدفء.
في تلك القاعة المكتظة بالطاولات البيضاء، تم إعداد الطعام وتقديمه بارداً، دون أي حرارة في الأطباق، أو رغبة في التذوق. ترك الطاهي المطبخ قبل دقائق من تقديم الوجبة، وكأن البرودة قد تسللت إلى قلبه أولًا قبل أي شيء آخر.
لم تكن المناسبة مبهجة؛ لم تكن حفل تكريم ولا تجمع للأصدقاء. كانت دعوة مشحونة، كما لو أنها تطلب وجوهًا غير مرغوب فيها وقلوبًا لا تهدأ. كل شخص جلَس وكأنما يراقب الآخرين، يلتقط نظراتهم قبل أن يتناول طعامه.
غطى السكون المكان. لم يجرؤ أحد على بدء الحديث، حتى أن الرياح خارجه بدت كأنها تحترم هذا الهدوء.
بينما اختفت آخر لمسات الدفء من الحساء البارد، ارتفع صوت مسموع وبارد:
— ربما أنتم هنا لسبب ما. . . لكن لا أحد يشعر بالدفء هنا.
امتلأت الوجوه بالاستفسارات. في تلك اللحظة، بدا أن كل فرد يسأل نفسه:
هل سأغادر الآن أم سأبقى لأواجه حقيقة أن الأمر ليس مجرد عشاء بارد. . . بل ما بيننا هو الأكثر برودة؟
قبل أن يدرك أحدهم كيف يجيب، أُغلقت الأبواب بشدة.
تردد صدى صوت في القاعة البيضاء، رجل طويل القامة بذهنية ثابتة باردة كثلج الشتاء، وقد تحدث ببطء:
— دعوتكم هنا لأن أحدنا اختار الصمت بدلًا من قول الحقيقة.
اهتزت الأيدي التي كانت تمسك بالأكواب الباردة، كما لو أن الكلمات في سبيلها للاعتراف.
ألقى المضيف ملفًا على الطاولة:
اسم واحد على الصفحة الأولى. . . وفي الصفحة التالية مجموعة من الصور والرسائل.
اُلتقطت الأنظار إليه ببطء، ثم تجمعت جميعها نحو صورة معلقة فوق الملف.
كانت صورة حفيد المضيف. . . ذلك الطفل الذي اختفى منذ ثلاثة أشهر أثناء رحلة عائلية في الجبال.
— هذا العشاء. . . ليس مجرد لقاء عادي.
توقف مؤقتًا ليأخذ نفسًا بارداً قبل أن يواصل:
— لقد اخترت أن أتعرف على الحقيقة. كل منكم كان آخر من رأى ذلك الطفل. . . وكل منكم كذب. . . أمام الشرطة، وأمام نفسه. . . وأمامنا جميعًا.
خيم صمت أثقل من الرياح وراء النوافذ. كانت الأصوات الناتجة عن الأطباق الباردة هي الوحيدة التي تحطم لحظة السكوت.
ثم ارتفع صوت همس:
— أنا. . . كنت معه آخر مرة. . . لكنني. . . كما قلت من قبل. . .
— في مثل هذا اليوم. . . كنا جميعًا نتسلق جبل الثلج.
— في ذلك النفق تحت الجبل. . . حينما كنا غارقين في الصقيع، واهتزت الصخور، وعلمنا أن فرص النجاة ضئيلة. . . هناك. . . فقط هناك. . . تعاهدنا.
سادت لحظة طويلة من السكوت، ثم تم همس من أحدهم:
— نتشارك البقاء أو نموت معًا.
ابتسم المضيف ابتسامة بلا حرارة، ثم وضع بين أيديهم ملفًا آخر:
مد يده ليفتح الملف، وكانت الصفحة الأولى تحتوي على صورة جماعية داخل النفق تحت الجبل بوجوه معبرة عن التعب.
ثم قال:
— كل واحد منكم كان آخر من رأى ذلك الطفل. . . وكل واحد منكم يحمل جزءًا من الحقيقة، لكن لا أحد بادر بالحديث عنها.
ارتفعت الهمسات في المكان، وكأن البرودة نفسها أرادت الإفصاح:
— نتشارك البقاء. . . أو نموت معًا. . .
هذه ليست مجرد عبارات من الماضي. . .
وقعت كأس باردة من يد أحد الضيوف، فارتد صداها في القاعة مثل صدى الذكريات في النفق:
— الاعتراف الآن. . . أم ترك الحقيقة مدفونة تحت ثلوج وأسرار مثل ذلك اليوم؟
تجمعت الأعين عند الباب المغلق. . .
حيث لم يعد هناك سوى خيارين:
أن تتعاملوا مع الواقع. . . أو أن تبقوا هنا، محاصرين في ظلامٍ بارد، للأبد.
نهض المضيف ببطء، لم يعد ذلك الرجل الودود الذي استقبل الجميع قبل ساعات، بل أصبح جدًّا مُحطَّمًا.
قال بصوت حازم، لا يرتجف:
«أُخبرنا جميعًا بأن انهيارًا طبيعيًا حدث لجانب من جبل الثلج أثناء العودة من رحلة تسلّق. وصدّقنا ذلك. أو جعلنا نفسنا نصدق. »
توقف لبرهة، ونظر إلى الوجوه المتجمدة حول الطاولة.
«لكن الحقيقة. . . لا تختفي تحت الثلج. بعد فترة، تبين أن الانهيار لم يكن عفويًا، وأن الموت كان مقصودًا، من تدبير الحاقدين. لقد عرفتم أنه الوريث الوحيد، وأن مؤسسةً وشركةً تمتلك فروعًا متعددة ستؤول إليه قريبًا. أصبح هدفًا، وصار موته راحة للجميع. . . لمستقبلٍ كنتم ترغبون فيه لأنفسكم. »
لم يتحدث أحد، فقط كانت هناك أنفاس متقطعة.
ابتسم المضيف بابتسامة باهتة، وقال:
«لا أريد دفاعًا، ولا اعترافات. لقد تأكدت من مشاركتكم جميعًا، كل واحد بمفرده، سواء بالصمت أو الفعل أو التخطيط. هذا الاجتماع. . . لم يكن من أجل الذكرى، بل من أجل التزام. »
رفع يده ببطء، وكأنه يُصدر حكماً قديمًا:
«تعاهدنا سابقًا داخل النفق تحت جبل الثلوج: سنعيش جميعًا أو نموت جميعًا. واليوم. . . أفي بالعهد. »
ترددت ضجة إغلاق الأبواب. أُغلقت الأبواب بإحكام، توقفت التهوية، وبدأ الهواء يثقل شيئًا فشيئًا. أصبح الهروب مستحيلًا، وكذلك الكلمات.
في الصباح، كانت العناوين متشابهة في كل الصحف:
«حادثة اختناق جماعي غامضة في قصر رجل أعمال مُهم»
حادثة أخرى. . .
الوفاة تحت الثلج كان حادثًا عارضًا.
في تلك القاعة المكتظة بالطاولات البيضاء، تم إعداد الطعام وتقديمه بارداً، دون أي حرارة في الأطباق، أو رغبة في التذوق. ترك الطاهي المطبخ قبل دقائق من تقديم الوجبة، وكأن البرودة قد تسللت إلى قلبه أولًا قبل أي شيء آخر.
لم تكن المناسبة مبهجة؛ لم تكن حفل تكريم ولا تجمع للأصدقاء. كانت دعوة مشحونة، كما لو أنها تطلب وجوهًا غير مرغوب فيها وقلوبًا لا تهدأ. كل شخص جلَس وكأنما يراقب الآخرين، يلتقط نظراتهم قبل أن يتناول طعامه.
غطى السكون المكان. لم يجرؤ أحد على بدء الحديث، حتى أن الرياح خارجه بدت كأنها تحترم هذا الهدوء.
بينما اختفت آخر لمسات الدفء من الحساء البارد، ارتفع صوت مسموع وبارد:
— ربما أنتم هنا لسبب ما. . . لكن لا أحد يشعر بالدفء هنا.
امتلأت الوجوه بالاستفسارات. في تلك اللحظة، بدا أن كل فرد يسأل نفسه:
هل سأغادر الآن أم سأبقى لأواجه حقيقة أن الأمر ليس مجرد عشاء بارد. . . بل ما بيننا هو الأكثر برودة؟
قبل أن يدرك أحدهم كيف يجيب، أُغلقت الأبواب بشدة.
تردد صدى صوت في القاعة البيضاء، رجل طويل القامة بذهنية ثابتة باردة كثلج الشتاء، وقد تحدث ببطء:
— دعوتكم هنا لأن أحدنا اختار الصمت بدلًا من قول الحقيقة.
اهتزت الأيدي التي كانت تمسك بالأكواب الباردة، كما لو أن الكلمات في سبيلها للاعتراف.
ألقى المضيف ملفًا على الطاولة:
اسم واحد على الصفحة الأولى. . . وفي الصفحة التالية مجموعة من الصور والرسائل.
اُلتقطت الأنظار إليه ببطء، ثم تجمعت جميعها نحو صورة معلقة فوق الملف.
كانت صورة حفيد المضيف. . . ذلك الطفل الذي اختفى منذ ثلاثة أشهر أثناء رحلة عائلية في الجبال.
— هذا العشاء. . . ليس مجرد لقاء عادي.
توقف مؤقتًا ليأخذ نفسًا بارداً قبل أن يواصل:
— لقد اخترت أن أتعرف على الحقيقة. كل منكم كان آخر من رأى ذلك الطفل. . . وكل منكم كذب. . . أمام الشرطة، وأمام نفسه. . . وأمامنا جميعًا.
خيم صمت أثقل من الرياح وراء النوافذ. كانت الأصوات الناتجة عن الأطباق الباردة هي الوحيدة التي تحطم لحظة السكوت.
ثم ارتفع صوت همس:
— أنا. . . كنت معه آخر مرة. . . لكنني. . . كما قلت من قبل. . .
— في مثل هذا اليوم. . . كنا جميعًا نتسلق جبل الثلج.
— في ذلك النفق تحت الجبل. . . حينما كنا غارقين في الصقيع، واهتزت الصخور، وعلمنا أن فرص النجاة ضئيلة. . . هناك. . . فقط هناك. . . تعاهدنا.
سادت لحظة طويلة من السكوت، ثم تم همس من أحدهم:
— نتشارك البقاء أو نموت معًا.
ابتسم المضيف ابتسامة بلا حرارة، ثم وضع بين أيديهم ملفًا آخر:
مد يده ليفتح الملف، وكانت الصفحة الأولى تحتوي على صورة جماعية داخل النفق تحت الجبل بوجوه معبرة عن التعب.
ثم قال:
— كل واحد منكم كان آخر من رأى ذلك الطفل. . . وكل واحد منكم يحمل جزءًا من الحقيقة، لكن لا أحد بادر بالحديث عنها.
ارتفعت الهمسات في المكان، وكأن البرودة نفسها أرادت الإفصاح:
— نتشارك البقاء. . . أو نموت معًا. . .
هذه ليست مجرد عبارات من الماضي. . .
وقعت كأس باردة من يد أحد الضيوف، فارتد صداها في القاعة مثل صدى الذكريات في النفق:
— الاعتراف الآن. . . أم ترك الحقيقة مدفونة تحت ثلوج وأسرار مثل ذلك اليوم؟
تجمعت الأعين عند الباب المغلق. . .
حيث لم يعد هناك سوى خيارين:
أن تتعاملوا مع الواقع. . . أو أن تبقوا هنا، محاصرين في ظلامٍ بارد، للأبد.
نهض المضيف ببطء، لم يعد ذلك الرجل الودود الذي استقبل الجميع قبل ساعات، بل أصبح جدًّا مُحطَّمًا.
قال بصوت حازم، لا يرتجف:
«أُخبرنا جميعًا بأن انهيارًا طبيعيًا حدث لجانب من جبل الثلج أثناء العودة من رحلة تسلّق. وصدّقنا ذلك. أو جعلنا نفسنا نصدق. »
توقف لبرهة، ونظر إلى الوجوه المتجمدة حول الطاولة.
«لكن الحقيقة. . . لا تختفي تحت الثلج. بعد فترة، تبين أن الانهيار لم يكن عفويًا، وأن الموت كان مقصودًا، من تدبير الحاقدين. لقد عرفتم أنه الوريث الوحيد، وأن مؤسسةً وشركةً تمتلك فروعًا متعددة ستؤول إليه قريبًا. أصبح هدفًا، وصار موته راحة للجميع. . . لمستقبلٍ كنتم ترغبون فيه لأنفسكم. »
لم يتحدث أحد، فقط كانت هناك أنفاس متقطعة.
ابتسم المضيف بابتسامة باهتة، وقال:
«لا أريد دفاعًا، ولا اعترافات. لقد تأكدت من مشاركتكم جميعًا، كل واحد بمفرده، سواء بالصمت أو الفعل أو التخطيط. هذا الاجتماع. . . لم يكن من أجل الذكرى، بل من أجل التزام. »
رفع يده ببطء، وكأنه يُصدر حكماً قديمًا:
«تعاهدنا سابقًا داخل النفق تحت جبل الثلوج: سنعيش جميعًا أو نموت جميعًا. واليوم. . . أفي بالعهد. »
ترددت ضجة إغلاق الأبواب. أُغلقت الأبواب بإحكام، توقفت التهوية، وبدأ الهواء يثقل شيئًا فشيئًا. أصبح الهروب مستحيلًا، وكذلك الكلمات.
في الصباح، كانت العناوين متشابهة في كل الصحف:
«حادثة اختناق جماعي غامضة في قصر رجل أعمال مُهم»
حادثة أخرى. . .
الوفاة تحت الثلج كان حادثًا عارضًا.
حميد الع.

تعليقات
إرسال تعليق