القائمة الرئيسية

الصفحات

 

قصة قصيرة : قطار لم يصل



كان الفجر مشرقًا في الأفق عندما تحرك القطار من العاصمة. . . أعين مليئة بالفرح، والقلوب تتذكر دفء الأسرة وضحكات العشاء. كانت عطلة نهاية الأسبوع، وكان المطر يتساقط بلا انقطاع، لكن الشتاء عادةً يجلب السعادة لقلوب الناس.

لم يستمر الفرح طويلاً.

فجأة، وسط الأزيز الناتج عن العجلات على القضبان وضرب قطرات المطر على النوافذ، تباطأ الإيقاع. . . ثم اختفى تمامًا.

توقف القطار.

لم يكن السبب مجرد عطل بسيط.

كان ذلك توقفًا لازمًا بسبب الفيضانات الهائلة التي غمرت خط السكة الحديد.

هنا تغيرت كل الأشياء.

لم يدم الصمت في البداية. بدأ يتصاعد صوت القلق والفزع في المقصورة كما لو أن كل تنفس أثقل وزناً، وكل نبضة قلب تنفجر خارج الصدر.

توالت الأسئلة بدون إجابات. أحد الركاب طرق الزجاج بيد مبللة، وآخر حاول استخدام هاتفه بلا جدوى. بدأت أصوات الصرخات المنخفضة والتنفس المتقطع تملأ الجو أكثر من صوت المطر نفسه.

بدأ الناس يمترسون بالنظرات. . . نظرات مليئة بالخوف والارتباك.

"ما الذي حدث؟ هل الطريق مقطوع؟ هل سنبقى هنا طوال الليل؟"

هكذا بدأ الهمس يتحول إلى صوت مرتفع.

وسرعان ما أعلن قائد القطار وجهه يبدو متعباً:

"بسبب الفيضانات. . . سيتم إعادة القطار إلى أقرب مدينة، وسينتقل الركاب بالحافلات التابعة لشركة السكك الحديدية. "

كانت جملة بسيطة في قالبها. . . لكنها أسفرت عن قدر أكبر من التوتر مقارنة بعاصفة الشتاء نفسها.

كان هناك صديقنا الشجاع، يقف وسط الركاب على الرغم من الإرهاق في عينيه، ويداه في جيوبه، يراقب ما حوله.

في البداية. . . لم يُظهر أي خوف. بل كان يسعى لتهدئة الأجواء، يواسي طفلًا يبكي، ويضحك على مسنّ متوتر وكأن الأمور طبيعية. . . بينما كان في داخله يسعى للاطمئنان على الجميع قبل أن يهدأ هو بنفسه.

وعندما بدأ نقل الركاب إلى الحافلات، كان صديقنا الشجاع حاضرًا. . .

يساعد، يحمل الحقائب، ويخفف من حدة الإحباط بابتسامة من حين لآخر ونكتة هنا وهناك.

ورغم ذلك. . . بينما آخرون يجدون لنفسهم أماكن في الحافلات القليلة المتاحة. . .

وجد صديقنا الشجاع نفسه يقف بلا مقعد.

ضحك باقتضاب، ضحكة شبه مريرة:

"يبدو أنني كنت مشغولًا للغاية في مساعدة الآخرين على العثور على ممتلكاتهم. . . لدرجة أنني نسيت أن أبحث عن مكاني! "

قالها، بنبرة تحمل بعضًا من روح الدعابة حتى في ظل حالة الفوضى.

تزايدت الحافلات، والركاب يتكدسون.

وفي وسط هذه الفوضى، ظهرت مجموعة من الفتيات، معاطفهن مبللة، وعيونهن تعكس مزيجًا من التعب والخوف والارتباك. . . بلا مكان لهن في الحافلات.

نظر صديقنا الشجاع إليهن، ثم إلى نفسه، وأخيرًا إلى السماء المشبعة بالمطر.
تذكر وعدًا في أعماقه لم يشارك به أي شخص، سوى لعزيمة لم تتخل عنه:

"إذا كان بإمكاني المساعدة، سأبادر. "

اقترب منهن، وتحدث بنبرة هادئة لكنها عازمة. . .

ثم اتصل بوالده، طالبًا منه أن يحضر سيارته الصغيرة من المدينة القريبة، ليأخذ الفتيات إلى مكان آمن قبل أن يعود اخذ هو.

كان هذا الاختيار صائبًا، حتى لو بدا غير منطقي في خضم هذا الجنون.

بينما كان والده يأخذ الفتيات، ظل صديقنا الشجاع واقفًا في المحطة. . . المطر يطرق على الزجاج، والرياح تعوي وكأن السماء نفسها تتساءل عن سبب هذا الانتظار.

اقتراب الفجر، وتسللت أشعة خافتة عبر الغيوم الرمادية، تلوّن الأرض بلون شاحب.

وقف هناك. . . وحيدًا، بقلب ينبض بين الإرهاق والأمل، وبشعور غريب بأنه قام بما يتوجب فعله. . . وأن هناك شيئًا قد تشكل بداخله في تلك اللحظات، أعمق من الخوف، وأوسع من التعب.

لم يكن يعلم السبب. . .

لكن الشمس بدأت في الشروق، وكأن العالم بأسره يستعيد أنفاسه من جديد.

وفي ذلك الصباح الممطر، عندما أشرقت الشمس لأول مرة منذ توقف القطار. . .

كأن شيئًا قد أشرق في قلبه أيضًا.

حميد الع.

تعليقات